مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات، بتاريخ 04/06/2025
هي قصة خيبة أمل؛ خيبة أمل متوقّعة غالبا. ربما كان من الأفضل له، وللبنان، أن يكتفي نوّاف سلام برئاسة محكمة العدل الدولية، جاعلًا منها مسك ختام مسيرته المهنية الغنية والمهمة، التي هي مصدر فخر للبنانيين. ما كان يستطيع أن يقدّمه نواف سلام على رأس محكمة العدل الدولية أهم وأكبر بكثير مما يستطيع تقديمه على رأس الحكومة اللبنانية، ولا سيما أنّ أمام محكمة العدل الدولية حاليًا قضايا تاريخية بأهميتها. في رئاسة الحكومة، يحاول سلام أن يقدّم لوطنه، أما في رئاسة محكمة العدل الدولية، فهو كان يقدّم للإنسانية، ولتاريخ العدالة الدولية، باسم وطنه.
إذا كانت الحكومة السلامية قد حقّقت بعض النجاحات
النسبية، وربّما أهمها تنظيم الانتخابات البلدية والاختيارية على مراحل (وهو أمر
أصبح يعتبر "نجاحًا" بالمقارنة مع الفترات السابقة)، رغم بعض الشوائب
الكبيرة التي تخلّلتها (ولا سيما في طرابلس)، أو في عودة علاقات لبنان التدريجية
مع مُحيطه العربي (بيد أنها غالبًا لم تعد على أساس الندية واستقلالية القرار
اللبناني، بل على أساس التبعية والخضوع لهيمنة جديدة على لبنان تحلّ محلّ الهيمنة
الإيرانية المشؤومة)، إلا إنّ مظاهر الفشل الحكومي كثيرة.
داخليا، لا تبدأ هذه المظاهر بالتلكّؤ في المعالجة الجدية
والشاملة والفعلية للوضع الاقتصادي والمالي والنقدي (وهو وضع كارثي منذ بدء أزمة
2019)، ولا سيما معالجة قضية حقوق المودعين الملحة، والتضخم في الأسعار، وسعر
الصرف، ولا تنتهي في قلّة الحزم الحكومي وضعف الاندفاع لإجراء كلّ الإصلاحات
البنيوية اللازمة والمطلوبة من لبنان. هي حكومة، قسم كبير من إنتاجيتها يتمحور
بشكل رئيسي، حول إجراء تعيينات إدارية، بـ"تقسيط" مملّ، في ظلّ ظروف
مأساوية يمرّ فيها البلد، لا تحتمل التسويف أو التأجيل.
خارجيًا، يتجلّى الفشل الحكومي في التضارب في المواقف المتعلّقة بتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المُتمادية منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية الموافق عليه في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أو في المواقف المتسرّعة والمتهوّرة حول مسألتي "السلام" والتطبيع مع إسرائيل، ولا سيما أنّ منها ما هو مفصول عن واقع البلد والمنطقة (سياسة إسرائيل التوسّعية والانتهاكات والجرائم الفادحة التي ترتكبها يوميا)، أو التخبّط في تلك المتلازمة معها والمتعلّقة بحصر السلاح بيد الدولة (ومسألة الحوار)، فضلًا عن المراوحة في مسألة إعادة الإعمار بعد حرب الخريف الماضي التدميرية التي جرّها السلاح غير الشرعي على لبنان بتفرّده بقرار الحرب خارج الأطر الدستورية.
فمثلًا، في حين يردّد سمير جعجع، رئيس حزب القوات
اللبنانية، وهو أحد الأحزاب الأساسية في الحكومة السلامية، أنّ "الأولوية
حالياً ليست اتفاق سلام مع إسرائيل، بل العودة إلى اتفاقية الهدنة عام 1949، هذا
أقصى ما نطمح إليه في الوقت الراهن"، يدلي رئيس الحكومة دلوه لمحطة "سي
أن أن"، حول "التطبيع الذي نرغب في رؤيته غدا وليس بعد غد" (بعد
انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها وقيام دولة فلسطينية وتحقّق السلام)، بيد
أنّ التطبيع أو انضمام لبنان لمسار اتفاقيات أبراهام غير وارد إطلاقًا في
البيان الوزاري، ناهيك عن الانعكاسات الداخلية الثقيلة لكلام كهذا، وأنّ حديثا
كهذا يُضعف موقف لبنان التفاوضي بسبب تسليف العدو مكاسب سياسية ضخمة قبل بدء
التفاوض حتى على ترسيم الحدود، فالتطبيع أصبح "وديعة نواف سلام"، وهي
وديعة مجانية ثمينة، ما قبل تفاوضية حتى!
أما أسباب الفشل الحكومي فكثيرة أيضا، وهي لا تبدأ بضعف
رئيس الحكومة، غالبًا كنتيجة لضعف وزنه السياسي وتمثيله الشعبي، فهو لا ينبثق من
أيّ قوّة ذات وزن سياسي فعلي. وتأتي نخبويته، وضعف الكاريزما السياسية لديه، لتزيد
الطين بلّة في هذا الخصوص؛ نخبوية تلخّصها تلك الصورة المأخوذة له في مطار رفيق
الحريري الدولي في 13 مايو/ أيار 2025، حيث يكتفي نواف سلام باجتماع مع مجموعة
صغيرة جدًا من الموظفين حول طاولة في كافيتيريا مطار بيروت، مقطوعًا عن المسافرين،
معزولًا عن الناس، على هامش حشود الوافدين والمغادرين، بدل أن يذهب لملاقاتهم وأن
يكون في وسطهم. في علاقته مع الشعب، لم يتمكّن نواف سلام من تحرير نفسه من سجن
النخبوية الذي بان في الصور الأولى له التي كان نشرها أو كتب عنها أنصاره بكثرة،
وبما لا يخلو من الكثير من التبخير، عند تعيينه رئيسًا للحكومة، في 13 يناير/
كانون الثاني الماضي، وهو جالس في مكتبته، مُحاطًا بالكتب.
وقد تجلّى أحد مظاهر ضعف رئيس الحكومة بشكل كبير عند تعيين حاكم مصرف لبنان، إذ انصاع رئيس الحكومة عمليًا لخيار رئيس الجمهورية في تعيين مرشّح جمعية المصارف، كريم سعيد، حاكمًا للبنك المركزي، مُكتفيًا ببيان اعتراضي بعيد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، وكأنه مجرّد ناشط سياسي على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين أنه كان بإمكان رئيس مجلس الوزراء الانسحاب من الجلسة و"فرطها" تلافيًا لتعيين سعيد، أو أقلّه تقديم استقالته بعدها. أما أن يجري التصويت بهذا الشكل المُخزي لرئيس مجلس الوزراء، الذي يجعل منه مجرّد رئيس أقلية وزارية مُعارضة ضمن حكومته، فهو هرطقة ديمقراطية، لا بل مسخًا للديمقراطية (باعتبار الديمقراطية حكم الأكثرية)، حتى بنسختها التوافقية، وتشويهًا وعدم احترام لها، فضلًا عن أنّه يشكّل سابقة منذ اتفاق الطائف تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، إلى زمن "المارونية السياسية"، وتجعل من رئيس الحكومة مجرّد باش كاتب لدى رئيس الجمهورية. اليوم، ليست مشكلة سلام مع جمهور 17 تشرين فحسب، الذي ائتمنه على الإصلاح والدفاع عن حقوق المودعين فخيّب أمله، بل هي أيضا، بشق منها (متداخل مع الشق الأول)، مع الطائفة التي اؤتمن على صلاحياتها في النظام القائم (أي الطائفة السنية)، ففرّط بها، مضعفًا بأدائه الركيك في هذا الخصوص الموقع الأوّل للسنة في الدولة بشكل كبير.
ولا تنتهي أسباب الفشل الحكومي في غياب قوّة وسطية (ولا
سيما سنيّة) ذات وزن سياسي حقيقي عن تشكيلة الحكومة، ولا سيما بسبب اعتقاد رئيسها
أنه يختصر تمثيل الطائفة السنية (في حين أنّ لا وزن شعبيا حقيقيا له ضمن سنة
لبنان)، وهو ما جعل من الحكومة حكومة أضداد، تسيطر عليها وتتواجه فيها راديكاليتان
طائفيتان (الثنائي الشيعي/القوات اللبنانية)، في حين أنهما تتحالفان في ما بينهما
في انتخابات بلدية بيروت، فيفوز مرشحو القوات والكتائب بفضل تكليف شرعي لناخبي حزب
اللّه الذي تتهمه غالبًا نفس هاتين القوتين "السياديتين" المسيحيتين،
الأساسيتين في الحكومة السلامية، بالمسؤولية عن نيترات مرفأ بيروت، وتطالبانه
بتسليم سلاحه فورًا على كامل الأراضي اللبنانية؛ ما يعرّض المصداقية السيادية
للحكومة وجديتها في تنفيذ بيانها الوزاري بخصوص حصر السلاح لشك كبير من قبل الكثير
من اللبنانيين، إذ أصبحت تبدو السيادية أحيانًا كثيرة مجرّد مزايدات شعبوية غير
مجدية، للمُتاجرة السياسية والرياء والضحك على الناس وشدّ العصب.
وتأتي سيادية الحكومة الانتقائية، بما تشكّله من تركيز الاهتمام الحكومي في أحيان كثيرة على السيادة بشقها الداخلي (أي ضدّ سلاح حزب الله) فقط، على حساب السيادة بشقها الخارجي، ولا سيما في وجه إسرائيل، لتزيد طين الفشل الحكومي بلّة. وخير مثال على ذلك تصريحات وزير الخارجية يوسف رجي الذي يدأب على الاعتراف زوراً لإسرائيل، باسم الدولة اللبنانية علنياً، بـ"الحق" في أن تتذرّع بعدم تسليم حزب الله لسلاحه شمال الليطاني لتستمرّ بانتهاكها سيادة الدولة اللبنانية.
بجميع الأحوال، تبقى المقارنات مع سورية (حيث يبدو أنّ
عجلة النهوض بدأت تدور، على عكس الوضع في لبنان) مجحفة، فسورية ليست لبنان، ولبنان
ليس سورية.
بالمحصلة، الحكومة اللبنانية ورئيسها يطوّقان نفسهما
بنفسهما، فاتحيَن بذلك المجال على مصراعيه لحزب اللّه خاصة للاستثمار في الفشل
الحكومي، من أجل أن يعيد تعويم نفسه سياسيًا وشعبيًا بعد الهزيمة التي جرّها على
نفسه وعلى لبنان. هذا هو واقع الفشل الحكومي غالبًا في لبنان، أما كلّ السرديات
الإعلامية الدعائية التي تحاول الدفاع عن الحكومة ورئيسها (وهو أمر مشروع
ديمقراطيًا) عبر الاكتفاء بإلقاء مسؤولية الفشل الحكومي على كلّ من يعارض الحكومة،
فلن تستطيع تغيير هذا الواقع، حتى لو، بل خصوصًا عندما يصبح هذا الدفاع عن السلطة من
دون حدّ أدنى من الموضوعية، وبطريقة مانوية، وعبر شيطنة الحسّ النقدي تجاهها، ما
من شأنه أن يجنح بالبلد نحو النموذج الديكتاتوري حيث لا يُسمح إلا بالتطبيل للسلطة
والتبخير لها.

Comments
Post a Comment