آفة الاستثمار الإيديولوجي في القانون الدولي


مقال نشره العربي الجديد مدونات بتاريخ 10/09/2025

في مواجهة الانتهاكات الجسيمة التي تقوم بها إسرائيل للقانون الدولي، خصوصًا منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، من الملاحظ أنّ بعض المثقفين الداعمين للقضية الفلسطينية حول العالم يجنحون نحو تحويل القانون الدولي إلى أداة إيديولوجية للنضال والدعاية السياسيَّين. 

وإذا كان القانون الدولي أسيرًا اليوم بين مطرقة من يعتبرون أنفسهم "استثناءً" لا ينطبق عليهم (أي إسرائيل)، وبين سندان من ينتهكونه فيما هم يعظون الآخرين حول ضرورة احترامه (أي الغرب غالبا)، وبين منجل من يستغلون انتهاك خصومهم له من أجل أن يبرّروا انتهاكهم له بدورهم (أي المعسكر المناهض للغرب غالبا: روسيا وإيران مثلا)، فإنّه يعاني أيضًا من استغلاله سياسيًا وتحويله إلى أداة للصراع الأيديولوجي.

لا يقتصر هذا الاستغلال على معسكر واحد: فجوليا سيبوتيندي، القاضية في محكمة العدل الدولية، تشكّل مثالا على استغلال الصهيونية المسيحية للعدالة الدولية، إذ صرّحت سيبوتيندي في 10 أغسطس/آب 2025، في معرض حضورها لقاء في كنيسة واتوتو في أوغندا، أنّ "الرب يعتمد عليّ للوقوف إلى جانب إسرائيل"؛ ناهيك عن تشويه جزء كبير من الغرب للحقّ بالدفاع عن النفس (لصالح إسرائيل)، فضلًا عن ازدواجية معاييره بما يتعلّق بحقِّ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال العسكري في المقاومة المسلحة (أوكرانيا/الأراضي الفلسطينية مثلا).

ومع ذلك، إنّ الاستثمار إيديولوجيًا وسياسيًا في القانون الدولي حاضر بقوّة في المعسكر "العالمثالثي" (أو الدول الصاعدة)، هذا في حين إنّ القانون الدولي لا يمكنه أن يشكّل "بيانا" جديدًا لمن يبدو أنهم يبحثون عن بديل لـ"بيان" ماركس وإنجلز، أو عن تحديث له في نضالاتهم الدولية، فالقانون الدولي (بالمعنى الواسع للكلمة) ليس أيديولوجية، ولا نضالية أو تحزّبا أو فئوية أو بروباغندا سياسية، أو عواطف (مهما كانت نبيلة)، أو انعدام دقة، أو تسرّعًا، بل هو أولا قانون: أي موضوعية باردة، وحيادية عمياء، واحترام مبدأ الوجاهية في الخصومة القضائية، وتحقيق متوازن، وإطار زمني طويل، وتوخّي الدقة والفعالية، فالعدالة.

القانون الدولي هو أيضا علم، وإن لم يكن دقيقًا، إلا أنه مجال تخصّص لا يمتلك "المثقفون الكونيون" (بتعبير الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو)، أي غير المتخصّصين فيه، الشرعية العلمية الكافية للخوض في أموره الدقيقة، اللهمّ إلا إذا أصبح المطلوب الوقوع في نقص الكفاءة، مع كلّ ما ينجم عن ذلك من تضليل، وإن كان غير مقصود وبطيب نية، للرأي العام.

يلاحظ ذلك، أولًا، في سوء إدراك قسم كبير من المثقفين لجوهر طبيعة القانون الدولي، وهي طبيعة طوعية، بحيث إنّ إلزاميته خاضعة أساسًا لإرادة من يطبّق عليهم، أي الدول التي هي من تصنع قواعده. وبما أنّ إسرائيل ليست طرفًا في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مثلًا، فمن الصعب تصوّر كيف يمكن للمحكمة الجنائية الدولية محاكمة المسؤولين الإسرائيليين، وخصوصًا معاقبتهم بفعالية على جرائم الحرب أو الجرائم ضدّ الإنسانية المتهمين بارتكابها، وذلك رغم كلّ محاولات الالتفاف (فلسطين الآن طرف في نظام روما الأساسي) على هذه الحقيقة الجوهرية؛ ما قد يكون له ربما، على المدى الطويل، مفعول عكسي، عبر تعزيز حالة إفلات إسرائيل من العقاب ("الاستثناء" الاسرائيلي).

ويلاحظ ذلك أيضا فيما يتعلّق بمسألة "الإبادة الجماعية" في غزّة، فلو كان توصيف أفعال على أنها "إبادة جماعية" مسألة يتم حسمها بمعركة من أجل تحقيق "الهيمنة الثقافية" (بحسب مفهوم الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، معطوفًا على نظريات "نبيّي" اليسار الشعبوي: البلجيكية شانتال موف، والأرجنتيني إرنستو لاكلاو)، لصالح خطاب معيّن في مواجهة السردية السياسية الإسرائيلية، وتلك المؤيّدة لها، لكنّا، نحن أنصار القضية الفلسطينية وداعمي الشعب الفلسطيني في العالم، قد حقّقنا اليوم نصرًا أيديولوجيًا أكيدًا؛ ولكنها مسألة توصيف قانوني، حيث لا تلعب العاطفة والرأي العام دورًا، وليس من الواجب أصلا أن يلعبا دورًا: هذا من بديهيات العدالة وأصول المحاكمات. 

في هذا الخصوص، يُلاحظ أنّ مثقفين يفتقرون إلى التخصّص المُعمّق في القانون الدولي غالبا ما يسمحون لأنفسهم بالجزم، قبل محكمة العدل الدولية، بأنّ ما يحصل في غزّة هو إبادة جماعية، وذلك في حين أنّ النقاش القانوني بين أهل الاختصاص ما زال غير محسوم، فيتجاهلون (بل يغفلون) رأي بعض فقهاء القانون الدولي (غالبًا من أصحاب الوزن العلمي الكبير) الذين يشكّكون في صحة هذا التوصيف فيما يتعلّق بما يجري في القطاع، ولا سيما أنّ الاجتهاد الدولي يعتمد تفسيرًا ضيقًا لمفهوم الإبادة: فعدد الضحايا لا يشكّل بالضرورة معيارًا قانونيًا لتوصيف الإبادة الجماعية، وتوفّر النية الخاصة في الإبادة (العنصر المعنوي) هو من أصعب ما يمكن إثباته في القانون الدولي الجنائي، ناهيك عن أنّ تجويع السكان مثلا يُشكِّل جريمة حرب (المادة 8 من نظام روما الأساسي) باعتباره انتهاكًا لحظر استخدام التجويع ضدّ المدنيين أسلوبا من أساليب الحرب (المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف)، إلا أنه لا يشكّل بالضرورة جريمة إبادة جماعية.

إنّ الاعتقاد بأنّ توصيف أفعال على أنها إبادة جماعية هو معركة من أجل تحقيق هيمنة سردية سياسية، أو محاولة تحويله إلى هذا الأمر، أملًا بأن يؤثّر ذلك على نتيجة التوصيف القانوني أمام المحكمة، لهو تبسيط كبير لدرجة التسطيح، وخطأً فادح من المُمكن أن يكون له تداعيات كارثية على أكثر من صعيد، فالشعب الفلسطيني يستحق ما هو أفضل بكثير من أن تُزيَّن له أوهام حول ما يستطيع أن يقوم به القانون الدولي، كما أنّ استمرارية القانون الدولي على المحك: ففي حال جاءت نتائج بعض القضايا الشائكة جدا أمام العدالة الدولية مُخيّبة للآمال الكبيرة المعلّقة عليها، ولا سيما إن كانت هذه الآمال مُبالغا فيها من الأساس (وهي فرضية يصعب استبعادها حاليا)، فالضرر الذي سيلحق بصورة القانون الدولي في نظر الرأي العام (وخاصة الداعم للقضية الفلسطينية) سيكون شديدًا، وحجم سيل نظريات المؤامرة المُرافق لذلك خياليًا.

بالمحصلة، إنّ من مصلحة دول الجنوب العالمي العمل على ترسيخ نظام دولي قائم على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، ولا سيما أنّ هذا النظام الدولي يترنّح في الوقت الراهن تحت الضربات التي تأتيه من كلّ حدب وصوب، وخصوصًا من الولايات المتحدة مع وصول ترامب إلى الرئاسة فيها، في حين أنها كانت تدعي أنها تحمل لواءه منذ ثمانين عاما. ولكن بشرط أن يتم ذلك بواقعية، وبعيدًا عن اليوتوبيا الشعبوية، وبعيدًا عن تشويه القانون الدولي أو تزييفه، وعن نقص الكفاءة. وفي هذا الصدد، يشكل الدفع نحو إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أحد المفاتيح الأساسية في بداية التغيير  

Comments