مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات في 12/10/2025
في الذكرى الثانية لعملية "طوفان
الأقصى"، المُترافقة مع التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، عاد الجدل
ليستعر، بين مؤيّد ومعارض، ولا سيما حول نتائج تلك العملية. المُشترك بين طرفي
النقاش أنه غالباً ما يتم تغييب معايير النظرة القانونية (القانون الدولي) في
تقييمهم هذا، في حين إنّ هذا يُضفي موضوعية ووضوحاً عليه، فلا بُدّ من التذكير
ببعض النقاط الأساسية التمهيدية، باعتبارها مقدّمة ضرورية غالبًا لأيّ عملية تقييم
لنتائج السابع من أكتوبر.
(1): إنّ مقاومة الاحتلال يجب أن تُمارس ضمن
احترام القانون الدولي الإنساني، وإنّ وجود حالة احتلال لا يمكن أن تبرّر بأيّ حال
من الأحوال انتهاك القانون الدولي الإنساني من قبل أيّ طرف من أطراف النزاع.
(2): لم يستجلب 7 أكتوبر الاحتلال إلى القطاع
من جديد (ربما يمكن اعتبار أنه استجلب الدمار وغيره من الأمور، مع التنبّه من عدم
الوقوع في "لوم الضحية"): فالاجتهاد والفقه الدوليان يعتبران أنّ الحصار
الإسرائيلي لقطاع غزّة قَبل 7 أكتوبر 2023 يرقى إلى حالة احتلال عسكري؛ ويكون بذلك
مجموع الأراضي الفلسطينية في نظر القانون الدولي (الضفة والقطاع) واقعاً تحت
الاحتلال قبل 7 أكتوبر. وهذا الأمر يختلف عن حالة لبنان، لأنّ الأراضي مُختلف على
السيادة عليها مع طرف ثالث (سورية)، هي غالباً فقط الأراضي المُحتلّة من قبل
إسرائيل. أما اليوم، بعد حرب الإسناد التي خاضها حزب اللّه بدءاً من الثامن من
أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، فرقعة الاحتلال قد توسّعت في جنوب لبنان (ولا سيما
"النقاط الخمس").
(3): لا وجود لدولة فلسطينية، وذلك بالاختلاف
عن لبنان الذي هو دولة، وحيث يصطدم سلاح حركة مقاومة سابقة (حزب اللّه)، لم يتم
تسليمه للدولة اللبنانية بعد التحرير (سنة 2000)، مع سيادة الدولة، ومع العقد
الاجتماعي المُتمثّل باتفاق الطائف الذي أضحى دستورًا، ومع قرارات الشرعية الدولية
التي تُطالب الدولة اللبنانية بنزع سلاح المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية على
أراضيها. كما أنّ وجود دولة لبنانية يفرض أن يتم اتخاذ قرار الحرب ضمن الأطر
الدستورية، لا الاستفراد به من دون استشارة باقي أطياف الشعب اللبناني.
(4): هناك فرق بين التقييم القانوني (appréciation en droit)، وبين تقييم الجدوى (l'appréciation en opportunité)، فالحقّ أمر، أما الجدوى من ممارسة هذا الحق وحسابات الربح والخسارة من جرّاء ممارسته فأمر آخر. قد يكون من غير المُناسب أو المُجدي، في ظرف معيّن، ممارسة هذا الحقّ، ولكن هذا لا يعني في أيّ حال من الأحوال عدم قانونية أو مشروعية ممارسة المُستفيد من هذا الحقّ (التمتّع بحقّه) إن رغب في ذلك. خاصة أنّ تقييم الجدوى من ممارسة الحقّ يعود في نهاية المطاف بشكل أساسي للمُستفيد منه (هنا الشعب الفلسطيني)، وليس لمن ينظّر عليه من بعيد؛ وإنه من وجهة نظر قانونية، مقاومة الاحتلال هي في مصلحة الشعب الفلسطيني (التحرير من الاحتلال)، ولا سيما أنّ كلّ أراضيه مُحتلّة (أي الضفة وغزّة، في نظر القانون الدولي)، وأنّ المعاهدات الدولية (خصوصاً اتفاقية جنيف الثالثة ـ 1949، والبروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف ـ 1977) معطوفة على سلسلة من قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة، تقرّ، ضمنياً أو صراحة، للدول والشعوب بالحقّ في مقاومة الاحتلال عسكرياً، ولا سيما في ممارسة الشعوب لحقّها في تقرير المصير. وهذا يختلف عن حالة لبنان حيث يتم تحوير الحقّ بمقاومة الاحتلال عبر استعماله مجرّدَ ذريعةٍ لفتح الجبهة بعكس مصلحة الدولة اللبنانية وباقي أطياف الشعب (فالتحرير حصل في 2000)، وزجّ لبنان في مغامرات تدميرية، كُرمى لعيون قوّة إقليمية، تستجلب الاحتلال من جديد.
(5): إنّ مقاومة الاحتلال تشبه موجب الوسيلة،
وليس موجب النتيجة: إن لم تكن حركة المقاومة قادرة على تحرير الأرض، فهذا لا ينفي
الحقّ في ممارسة هذا الحق.
(6): بناءً على ما تقدّم، صحيح أنّ انتصارية حماس والدفاع الأعمى عن 7 أكتوبر فيهما الكثير من العبثية، وصحيح أنّ جردة الحساب بالربح والخسارة واجبة عن تلك العملية، فلا تنظيم ولا عملية فوق النقد (ومن ضمنه النقد الذاتي). ولكن في المقابل لا يصح أن تشكّل جردة الحساب هذه وسيلة لتبرئة الجلاد، أي إسرائيل، من الجرائم التي اقترفتها منذ السابع من أكتوبر، فالشعبوية لا تعالج بالشعبوية، والغلوّ لا يعالج بغلوّ مقابل. صحيح أنّ حماس مسؤولة عن انتهاك القانون الدولي الإنساني في أثناء عملية 7 أكتوبر؛ ولكن تحميل حركة مقاومة المسؤولية القانونية للانتهاكات الفادحة والكثيفة والمُتمادية لمدّة سنتين للقانون الدولي الإنساني، التي لا يمكن أن يبرّرها شيء، والتي قام بها جيش احتلال بحقّ شعب (الفلسطيني)، في معرض ردّ الاحتلال على عملية قامت بها حركة المقاومة تلك، بما يتخطّى بأشواط وأشواط إطار "الدفاع المشروع عن النفس" (هذا إن كان أصلاً لقوّة احتلال الحقّ في الدفاع عن النفس بوجه من تمارس الاحتلال عليه، وهو أمر لا تقبل به محكمة العدل الدولية)، ينطوي على مفهوم "لوم الضحية"، وهو مرفوض جملةً وتفصيلاً، ولا سيما بسبب ما يتضمّنه وينتج عنه من تبرئة الجلاد (أي إسرائيل) من مسؤوليته عن هذه الجرائم، فضلاً عن كيّ الوعي بفعل ذلك، وتدجين أيّ إرادة في رفض واقع الاحتلال ومحاولة تحرير الأرض.
(7): من الأساسي ألا تغفل أيّ جردة حساب
حقيقة مفادها أنّ المسؤول الأوّل عن جرائم الحرب، والجرائم ضدّ الانسانية، وما
يمكن أن يشكّل جريمة إبادة (بانتظار قرار محكمة العدل الدولية) بحقّ الشعب
الفلسطيني منذ 7 أكتوبر 2023، والتي تندرج كلّها ضمن عملية تطهير عرقي، هي إسرائيل
وقادتها، ثم كلّ من تواطأ معهم من خلال دعمهم بالسلاح، وباستعمال حقّ النقض في
مجلس الأمن ضدّ مشاريع القرارات التي كانت تُطالب بوقف فوري لإطلاق النار، ثم أصبح
يحاول ترميم صورة التفوّق الأخلاقي لديه عبر الاعتراف بدولة فلسطينية صورية على
الورق، أو يصوّر نفسه على أنه حمامة سلام عبر تقديمه خطة لمشروع كوندومينوم Condominium تقهقري نحو أنظمة القرن
التاسع عشر الكولونيالية، متظلّماً في الوقت نفسه، بما لا يخلو من الكثير من
السوريالية، من أنّه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام.

Comments
Post a Comment