في بلاد بعيدة، اتخذ رئيس اللجنة الإجرائية لفوج الإطفاء
قرارًا، ينتظره الناس منذ عقود، بمنع الأسلاك الكهربائية البارزة في شوارع
المدينة، تجنّبًا لمخاطر الصعق الكهربائي والحرائق.
"لا، لا، لا!" هذا القرار
مرفوض"، ردّت رئاسة اللجنة التنفيذية العامة للشؤون الإدارية، مُقحمة نفسها
بين رئيس اللجنة التنفيذية لفوج الإطفاء وبين مرؤوسيه. لا، لن يُنفّذ هذا القرار،
لأنّ تنفيذه هو ما قد يُسبّب الصعق الكهربائي والحرائق، وليس العكس! إنّه منطق
ديالكتيكي فذّ، إنها جدلية تتخطى بعبقريتها نظريات فريدريش هيغيل وكارل ماركس،
إنّها أدبيات "اللغة الجديدة" (النوفلانغ) التي يجب الاستمرار بنشرها
وتكرارها: فالحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوّة، كما كان يقول
الكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته "1984".
لم تكتف رئاسة اللجنة التنفيذية العامة للشؤون الإدارية
بذلك، بل أضافت أنه يُمنع منعًا باتًا انتقاد رجال الإطفاء بسبب التقاعس والتقصير
في مواجهة خطر الحريق، فالإطفائيون لا يقومون إلا بالالتزام بما يشكّل عقيدة رسمية
منذ عقود، خصوصًا إنّه يجب عدم المسّ بعقيدة أثبتت نجاحها الباهر خلال كلّ السنوات
الغابرة! مفهوم؟!
إنّ تفكيك الأسلاك الظاهرة (وخاصةً تلك المُمدّدة
حديثًا)، وبالتالي درء خطر الحريق، هو ما قد يُؤدي إلى اندلاع حريق، خاصةً أنّه
حينها، لن يكون من دور لرجال الإطفاء في إخماد الحريق، بل الاكتفاء بمُراقبته، فهم
سيُضطرون إلى عدم التدخّل، حتى لا يحترقوا هم أنفسهم، أم أنكم تُريدون أن يحترق
الإطفائيون؟! يا لها من فكرة خطيرة، شريرة، عبثية، غير مسؤولة، ومُدانة.
"ليست من مسؤولية الإطفائيين حماية المواطنين الذين يدعمونهم من دون قيد أو شرط من الحريق. على السكان أن يُدبّروا أمرهم بأنفسهم، وبجميع الأحوال، أن يسكتوا عن خطر الحريق الذي يهدّدهم. فحسب العقيدة الرسمية، من غير المقبول أن يُفاضل رجال الإطفاء في تعاملهم بين ما يُشعل الحريق، وبين الضحايا المحتملين له في حال اندلاعه. نقطة، انتهى! بل ينبغي أن تُعتبر روح المساواة هذه مؤشّرا على جدية السلطة بنظر المجتمع الدولي، الذي ينتظر ليس توقف الاستفزاز الذي تُمثله الأسلاك الكهربائية الظاهرة لشريحة كبيرة من السكان فحسب، بل أيضًا أن يتم حصر المواد شديدة الاشتعال واحتكارها في جميع أنحاء البلاد. منطق غاية في الإقناع!".
بناءً على ما تقدّم، وباستثناء بعض أنصاف الحلول
التجميلية باعتبارها ذرًا للرماد في عيون الداخل والخارج، يجب أن تُترك الأمور،
بشكل عام، على ما هي عليه، وألا يتم تغيير أيّ شيء جوهريًا: "دعه يعمل، دعه
يمر"، عليك أن تقبل بخطر اندلاع الحريق، وذلك تحديدًا، لمنعه من الاندلاع!
فالخطر لا يتم احتواؤه من خلال مبدأ الاحتياط، بل بواسطة التساهل والتراخي.
باختصار، ستبقى المدينة غابة من الأسلاك الكهربائية الظاهرة والمُستفّزة، فالنظام
هو الفوضى: هذا منطق المتبصّرين، هذه ديالكتيك القادرين، هذه حكمة الأقوياء.
"حفلة رجال الإطفاء" (The Firemen’s Ball، 1967) ليس حكرًا على المخرج ميلوش فورمان، ولا على تشيكوسلوفاكيا الشيوعية. هذا الفيلم استعارة سياسية تهكمية ذات دلالات كونية، تصلح أن يُعاد استخدامها كما هي، أو معدّلة وبتصرّف حر، كلما أنعم الدهر على بلد ما بسلطة تتمتّع بالكفاءة العالية، والجدية، والشجاعة، والتصميم، والحزم، والعزيمة، على الإصلاح والتطوير، بالإضافة إلى التضامن بين أركان هذه السلطة، والتناسق الكبير بين قراراتهم. هذا الفيلم هو ما يجب عرضه على كلّ صخرة، كلما اصطدم بلد بصخرة العبثية؛ كلما تمّ التعامل مع المواطنين باعتبارهم أغبياء.

Comments
Post a Comment