لبنان.. التفكير الإيجابي دين الدولة؟

 


مقال نشره العربي الجديد/مدوّنات بتاريخ 15/11/2025

يبدو أنّ لبنان قد أصبح أوّل دولة في العالم تجعل من التفكير الإيجابي دين الدولة. فخلال استقباله وفد نقابة المحرّرين في قصر بعبدا (12/11/2025)، أسف رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون "لقيام البعض بتشويه الواقع في لبنان عن قصد أو عن غير قصد"، مُعطيًا، بلهجة قاطعة، ما يشبه "أمر اليوم" الذي يجب على اللبنانيين الالتزام به، قائلًا: "لا يحق لأحد تشويه صورة لبنان بالسلبيات!"

ويأتي هذا الكلام في معرض الرد على انتقادات تطاول السلطة اللبنانية التي أُعيد تكوينها في بداية السنة، فبعد أن كانت عُلّقت آمال كبيرة عليها، تضعضعت تدريجيًا ثقة كثير من اللبنانيين ومن المجتمع الدولي بها، نتيجة لتخبّط هذه السلطة، وضعف الجدية والحزم لديها في معالجة ملفات مصيرية، ما يجعلها تبدو سلطة من الماضي، ليست على قدر المرحلة والتغييرات الكبيرة الحاصلة في الإقليم.

إذًا، يبدو أنّها سابقة عالمية في كلام رئيس الجمهورية، يجرى من خلالها عمليًا تحويل "الذبذبات الإيجابية" وغيرها من أدبيات اللايف كوتش ومؤثّري مواقع التواصل الاجتماعي إلى عقيدة دولتية، فتوضع تعاليمها في أعلى هرم المعايير (هرم الفقيه النمساوي هانس كيلسن) باعتبارها قيمًا فوق دستورية! مهما كانت الظروف، كن سعيدًا، ابتسم، وأغلق فمك، إلا إذا كنت تريد التبخير للسلطة والمشاركة في بروباغندا الشوفينية! يبدو أنّ هذه هي، باختصار، العقيدة الرسمية للسنوات الست القادمة.

لو قالت دول أخرى مثل ألمانيا، أو فرنسا، أو إسبانيا، بهذه العقيدة، لكانت افتقرت بشدّة لأعمال نقدية قام بها كتّاب كبار مثل أونوريه دي بلزاك أو غوستاف فلوبير، أو مخرجون كبار مثل راينر فيرنر فاسبيندر، أو كلود شابرول، أو لويس بونويل، أو كارلوس ساورا، الذين فكّكوا، من خلال مطرقة السرد وسندان الصورة، صنم القيم "البرجوازية" المُنافقة في مجتمعاتهم، وعرّوا زيفها، ووضعوا مجتمعاتهم أمام  تناقضاتها، وعنصريتها، والاحتقار الطبقي الذي ينخرها، والأكاذيب التي تدمن على قولها لنفسها لعدم رؤية حقيقة واقعها، وباقي عللها التي تحاول يائسة إخفاءها في حين أنّ هذه الآفات تنخرها وتمنعها ​​من التقدّم، مُبيّنين في الوقت نفسه، وبشكل أساسي، تواطؤ السلطة في كلّ ذلك. وقد أنتجت هذه المجتمعات مؤلّفات تنتقد تغوّل "ديكتاتورية السعادة" أو "السعادةـ قراطية" ("happycracy") التي تروّجها أدبيات "التفكير الإيجابي"، وتعرية ما تبتغيه فعليًا من زيادة في إنتاجية العمّال الذين عليهم أن يعضّوا بها على الجرح، وأن يستمروا بالعمل مهما كانت الظروف. 

ويأتي الفرمان الرئاسي بمنع الإضاءة على السلبيات هذا ليُضاف إلى كلام سابق لرئيس الجمهورية، جزم فيه أنّه "ليس من المقبول أن يوجّه أحد سهام الانتقاد أو الاستهداف إلى الجيش والقوى الأمنية، فهي خط أحمر!"، وذلك بُعيد انتقاد كثير من اللبنانيين التقصير الذي سمح بإضاءة صخرة الروشة في بيروت بكثير من الاستفزاز لشريحة واسعة من المواطنين، بصور الأمينين العامين السابقين لحزب اللّه، وبما يُخالف القرار الصادر عن رئيس الحكومة بهذا الخصوص؛ وبعد أن كان وعد رئيس الجمهورية اللبنانيين، في خطاب القسم، بأنّ لا أحد فوق المحاسبة. تشي هذه التراكمية في النوع نفسه من التصريحات الآمرة بأنّ رفض نقد السلطة ركيزة أساسية في عقيدة الحكم لدى العهد الجديد، حيث يجريى الاستثمار بالأدبيات "الوطنجية" والشوفينية لمحاولة تأثيم النقد وتكميم الأفواه، في بلد يهوى مواطنوه التغنّي بأنّه قائم أصلًا على الحرية، وما يذكّر نوعًا ما بمنحى أنظمة قمعية مثل الاتحاد السوفييتي، وبروايات جورج أورويل.

وتجدر الإشارة هنا إلى سياق متصل، حيث غرق كثير من اللبنانيين أنفسهم في أدبيات الشوفينية وحبّ الذات الجمعي وتمجيد "الأنا" اللبناني، على مواقع التواصل وفي الإعلام، في معرض ردّة فعلهم على الملاحظة التي أبدتها الملكة رانيا العبد اللّه للبابا حول زيارته المرتقبة إلى لبنان، وخصوصًا على الكلام الذي أدلى به المبعوث الأميركي توم برّاك حول أنّ "لبنان دولة فاشلة". لقد تسبّب برّاك (الذي جرى انتقاد بعض تصريحاته السابقة في تدوينة بعنوان "نهائية لبنان فوق كل اعتبار")، من خلال كلام  جديد لا يخلو من الكثير من الغطرسة والاستعلاء والافتقار إلى اللباقة الدبلوماسية، بجرح نرجسي غائر للبنان وللشعب اللبناني، خصوصًا أنّه صادر عن ممثّل دولة من دول الغرب، لا سيما أنّ لبنان يدمن، إلى حدّ كبير، ومنذ قرون (قبل تأسيس لبنان الحديث بزمن طويل)، على نظرة "السيد" الغربي إليه، لبناء ثقته بنفسه، ولتحديد "قيمته" الذاتية. فلا يمكن مثلًا التغاضي عن أنّ بعض الاستشراق، الذي رافق الديناميكية الاستعمارية، المُتمثّل بشخصيات مثل إرنست رينان أو هنري لامنس تحديدًا (مراجعة كتاب "بيت بمنازل كثيرة" للمؤرخ كمال الصليبي)، والأوهام التي سوّقها حول استثنائية لبنانية مُفترضة بالنسبة لمحيطه العربي، بل تفوّق حضاري وعرقي على جيرانه العرب، لا تزال تُمثّل المرجع الفكري الأساسي لكثير من اللبنانيين. 

بعد أكثر من قرن على تلك النظريات، ولأوّل مرّة، جاء "السيد" الغربي مُتمثّلًا بالمبعوث الأميركي توم برّاك ليخبر أتباعه اللبنانيين ببعض الحقائق القاسية، من دون قفازات، قائلًا لهم بما معناه: أيّها اللبنانيون الأعزاء، دولتكم التي صنعها لكم الغرب دولة فاشلة؛ بل إنّ جيرانكم العرب، وخاصة السوريين، أفضل منكم. نظرًا للأوهام الكثيرة التي غرسها الغرب نفسه في نفوس الكثير من اللبنانيين لفترة طويلة، فإنّ الجرح النرجسي لا بُدّ أن يكون هائلاً. إنه جرح تاريخي.

أمّا الأهم، ولو كان في الكلام بعض الوعظ الثقيل، فانّ الجرح النرجسي الذي ألحقه برّاك بلبنان ينبغي غالبًا أن يكون فرصةً للبنانيين للتفكير في أمرين. أوّلًا، وبغضّ النظر عن صحّة ما قاله برّاك، هي فرصة التحرّر من التبعية لآراء الآخرين، ومن الحاجة الدائمة لتقدير من قبل "سيد" يستمدّ منه اللبنانيون قيمتهم الذاتية. وثانيًا، التوقّف عن دفن رؤوسهم في الرمال في ما يتعلّق بحقيقة دولة لبنان الفاشلة. فكلّ الغضب النرجسي لن يغيّر قيد أنملة هذه الحقيقة، بل يشي برغبة عُند ومكابرة في التشبّث بمرحلة من عدم النضج النفسي والسياسي. إن كنا نحبّ لبنان حقًا، فربما الأجدر بنا أن نتوقّف عن هذه العادة السخيفة المُتمثّلة في البحث الدائم عن العزاء من واقع الدولة الفاشلة في قصص نجاح (تبقى نسبية جدًا) بعض اللبنانيين، وما شاكلها من محاولات بائسة لتجميل حقيقة واقع البلد عبر "التفكير الإيجابي"، وأن نبدأ بتحمّل مسؤولياتنا، لا سيما دولتنا، وأنّ نرى واقع الأمور كما هو، لا كما نتخيّله أو نتمناه، وذلك بهدف تغيير هذا الواقع وتطويره فعليًا نحو الأفضل، والخروج من حالة المراوحة والركود التي طال أمدها.


Comments