مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات في 11/02/2026
بعد منتصف ثمانينيات القرن الماضي، شكّل "تنافس
المظلوميات" بين قوميات يوغوسلافيا الأساس في خطاب الكراهية، وهو ما ساهم
مساهمة كبرى في إشعال حرب أهلية ضروس ارتُكبت خلالها أبشع الجرائم، ونتج منها
انفجار يوغوسلافيا وتفكّكها إلى سبع دول. ومن بين أمور أخرى، شكّل التاريخ
الهُويّاتي لكلّ قومية مادة خصبة للاستثمار في الموت من أجل تأجيج الكراهية ضدّ
القومية الأخرى. كان التلفزيون الصربي مثلًا ينكش في تاريخ المجازر التي تعرّض لها
الصرب على أيدي الأوستاشا الكرواتيين المُتحالفين مع ألمانيا النازية خلال الحرب
العالمية الثانية؛ واليمين المتطرّف الكرواتي، بدوره، يزيل الغبار عن سرديات
التاريخ الهُويّاتي الكرواتي المُتعلّقة بتعرّض الكروات للمجازر على أيدي
التشيتنيك الملكيّين الصرب. ويوغوسلافيا ليست مثالًا يتيمًا، بل غالبًا ما يُلاحظ
تنافس المظلوميات في حالات الحروب الأهلية التي تحدث فيها انتهاكات واسعة حتى
لأبسط القواعد الإنسانية في الحروب، بما في ذلك جريمة الإبادة أحيانًا.
أما في لبنان، فغالبًا ما تدأب الأحزاب السياسية الطائفية
و"مثقفوها" على هواية العزف على سرديات التاريخ الهُويّاتي، ليس بهدف
تنقية الذاكرة والتعلّم من أخطاء التاريخ وتخطّي الجانب الأليم من الماضي، بل بهدف
نبش القبور، والتركيز حصرًا على الوجه المُظلم للتاريخ المشترك، وتجميل صورة مجرمي
الحرب الأهلية. وفي هذا النهج القبيح، يُحاكى الماضي الحاضر، إذ يتحيّن "أكلة
الجثث" المصائب للاستثمار في الموت من أجل النفخ على جمار الكراهية، وتسعير
نيران تنافس المظلوميات، وتصفية حسابات سياسية مع طوائف ومناطق أخرى هي أصلًا
منكوبة أيضًا، مسخّرين ذلك لتحقيق مآرب انتخابية زعاماتية ضيّقة (فالانتخابات
النيابية على الأبواب)، أو لتصفية حسابات تاريخية والدفع بأجندات الانسلاخ عن
لبنان والانضمام إلى حيث تطيب لهم عبادة قوّة "القبيلة" الطائفية.
وهذا ما لوحظ أخيرًا بعد انهيار مبنى في طرابلس، وهي من
المدن الأكثر فقرًا في حوض المتوسّط، رغم كون أغنى الشخصيات السياسية والعامة في
لبنان من هذه المدينة، ورغم تبوّؤ عدد مُعتبر من الطرابلسيين منصب رئاسة الحكومة
أو مناصب وزارية، ولا سيما في السنوات القليلة الماضية. وهذا المبنى الثاني الذي
ينهار في المدينة في غضون أسبوعين، ليرتفع عدد الحوادث منذ يناير/ كانون الثاني
الماضي إلى أكثر من سبعة.
المفارقة أنّ كثيرين من "أكلة الجثث" آنفي الذكر ليسوا من طرابلس، وغالبًا لا تهمهم عاصمة الشمال إلا عندما تصبح بالنسبة إليهم مادة للاستثمار السياسي في الموت، فيغرقون في خطاب تنافس المظلوميات الشعبوي البشع والخطير، غالبًا تحت شعار رفض واقع "دولة أولاد الست وأولاد الجارية".
من المؤكّد أنّ لبنان يشهد حالة تمييز في المعاملة بين
اللبنانيين أمام الدولة والقانون، إذ هناك جهة طائفية مسلّحة دون غيرها، ويجري
معالجة ذلك (بما لا يخلو من الكثير من الخطوات الناقصة) بعد قرارات الحكومة بحصر
السلاح، وهي قرارات كانت مُنتظرة منذ عقود. ومن المعلوم أيضًا أنّه خُصِّص مبلغ 90
مليون دولار (67 مليون دولار لمجلس الجنوب و24 مليون دولار للهيئة العليا للإغاثة)
نُقلَت من الاحتياطي بهدف إيواء النازحين من الجنوب وإعادة ترميم ما تدمّر بفعل
الحرب الأخيرة، في حين أنّ المبالغ المُخصّصة لطرابلس زهيدة مقارنةً بذلك. ومن
الأساسي أنّ هنالك ملاحظات كثيرة لا بُدّ منها بما يتعلّق بإعادة إعمار الجنوب،
فبالتوازي مع مسؤولية الدولة اللبنانية في تعويض مواطنيها عن الضرر اللاحق بهم من
جرّاء نزاع مسلّح، كان على الدولة أيضًا أن تلاحق قضائيًا التنظيم المُسلّح الذي
اتخذ قرار الانخراط بهذا النزاع المسلّح (حرب الإسناد) من خارج الأطر الدستورية
وفرضه فرضًا على الدولة وعلى البلد، ما استجرّ خسائر بشرية فادحة، ودمارًا هائلًا،
واحتلالًا عسكريًا؛ وكان على الدولة أيضًا أن تقاضي، عبر القضاء الدولي، الدولة الأجنبية
التي تُسيطر على هذا التنظيم، وأن تطالبها بالتعويض على أساس قواعد نسب الأفعال
غير القانونية إلى الدولة في القانون الدولي (règles d’attribution de faits illicites à un
Etat)؛ وكان على الدولة اللبنانية أن تقاضي
الدولة (العدو) التي هي الطرف الآخر في النزاع المُسلّح مع هذا التنظيم المُسلّح،
والتي تخطّى ردّها على أفعاله إطار الدفاع المشروع وشروطه بأشواط (هذا إن كان
أصلًا لها الحقّ بالدفاع المشروع حسب القانون الدولي).
ولكنّ معالجة هذه الملاحظات الكثيرة والمُحقّة لا تكون
بمحاولة تصوير الأمور على شكل مغلوط ومفعم بالكراهية والأحقاد. فإعادة إعمار منزل
ممسوح مسحًا بفعل الحرب الأخيرة بالعديسة في الجنوب مثلًا، ليست هي السبب في سقوط
مبنى في باب التبانة في طرابلس؛ ومحاولة تأمين الإيواء لعائلة فقيرة أو مُتضرّرة
شيعية في الجنوب ليس هو السبب في تشريد عائلة فقيرة أو مُتضرّرة سنية في طرابلس؛
ومحاولة بلسمة جراح ضحية من الطائفة الشيعية في الجنوب ليس هو سبب تضرّر شخص من
الطائفة السنية في طرابلس وتحوّله بدوره إلى ضحية؛ وهذا لا يجعل من الأوّل ابن ست،
ولا من الثاني ابن جارية!
هذا الخطاب المقيت، القائم على دائرة قصر فكرية يدأب عليها "أكلة الجثث" في معرض تنافس المظلوميات، يضع عمليًا الفقير بمواجهة الفقير، والمُتضرّر بوجه المُتضرّر، والضحية في مواجهة الضحية. هذا أمر مدان، وهو قمّة في البشاعة، خصوصًا أنّه يجعل من التضامن الإنساني نفسه، وهو غالبًا أسمى ما في الإنسانية، وما يجمع تلقائيًا بين البشر على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم وألوانهم، مادة لتأجيج الكراهية والتفرقة والانقسام بين البشر، ولا سيما بين أبناء الوطن الواحد.
لبنان بأمس الحاجة إلى خطاب العقل، لا خطاب الغرائز، إلى
خطاب إنساني، لا خطاب الكراهية، إلى خطاب السلم، لا خطاب الاحتراب. بئس السياسي أو
الحقوقي أو غير ذلك، الذي يغرق في خطاب الكراهية المتستّر بعنوان العدل، ولا سيما
عندما يكون ذلك طمعًا بحفنة من الأصوات.
رحم اللّه ضحايا طرابلس، ورحم اللّه ضحايا الجنوب، ورحم اللّه ضحايا كلّ لبنان، وحفظ هذا البلد وأهله. نعم وألف نعم لمحاسبة كلّ المسؤولين عمّا حصل في طرابلس وملاحقتهم؛ نعم وألف نعم لإنصاف هذه المدينة المحرومة سريعًا، الذي غالبًا ما يجري شيطنتها زورًا وبهتانًا؛ ولكن لا للاستثمار بالموت وبحرمته في كلام بغيض، في حزازات طائفية مناطقية، إن كان ذلك لأهداف شعبوية انتخابية تافهة، أو للدفع بمشاريع انفصالية تقسيمية للبنان، أو لغير ذلك

Comments
Post a Comment