يتذرّع حزب اللّه، وبعض "الأغبياء المفيدين"
(التعبير لفلاديمير لينين غالبا) الذين يلتمسون له الأعذار في لبنان، بالانتهاكات
الإسرائيلية اليومية لاتفاق وقف الأعمال العدائية، والتي استمرت منذ الموافقة عليه
بين لبنان والعدو الإسرائيلي في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وذلك من أجل تبرير
حرب إسناد إيران التي انخرط فيها حزب ولاية الفقيه في لبنان.
في الحقيقة، ما أقدمت عليه إسرائيل هو عدم التزام كلي أو
شبه كلي بهذا الاتفاق، وذلك منذ دخوله حيّز التنفيذ، ولا سيما بما يتعلق بوقف
النار والانسحاب الكلي إلى جنوب الخط الأزرق. عمليا، لم يقم اتفاق وقف الأعمال
العدائية بوضع حد للنزاع المسلح بين اسرائيل وحزب اللّه، بل كل ما قام به انه نقل
النزاع المسلح من حرب عالية الحدة إلى حرب منخفضة أو متوسطة الحدة من جديد، ومن
حرب من جانبين، إلى حرب من جانب واحد (إسرائيل).
وعليه، إنّ الحديث عن "خروقات" إسرائيلية
لاتفاق وقف الاعمال العدائية، وهو مصطلح غالبا ما تم استعماله في الخطاب الرسمي
اللبناني، تقزيم لفداحة ما قامت به اسرائيل من انتهاك لهذا الاتفاق، ولقرارات
مجلس الامن ذات الصلة، وللقانون الدولي، ولسيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه. ولكن،
بالمقابل، لا تصح الإشارة إلى انتهاكات إسرائيل لاتفاق وقف الأعمال العدائية، دون
التأكيد أيضاً على أن معالجة مشكلة عدم التزام إسرائيل التام أو شبه التام بهذا
الاتفاق تقع ضمن اختصاص الدولة اللبنانية، وليست من اختصاص جماعة مسلحة من غير
الدول (حزب اللّه)، ولا سيما انها خاضعة لسيطرة (سيطرة فعلية، بشكل أساسي) دولة
أجنبية (إيران). خصوصا أن هذه الميليشيا،
التي أعلنت الحكومة اللبنانية مؤخرا حظر أنشطتها العسكرية باعتبارها خارجة عن
القانون، قد رفضت طوال الأشهر الستة عشر الماضية الوفاء بالتزامها الأساسي بموجب
اتفاق وقف الأعمال العدائية نفسه، معطوفا على قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة،
وعلى اتفاق الطائف والدستور: ألا وهو تسليم سلاحها للدولة اللبنانية، التي من
المفترض أن تحتكر القوة المسلحة وأن تبسط سلطتها على كافة أراضيها.
إنّ "سلبطة" حزب اللّه على صلاحيات الدولة بهذا
الشكل ليست حلا، بل عين المشكلة. فإذا كان رفض حزب اللّه تسليم سلاحه للدولة
اللبنانية لا يُمكن أن يبرّر عدم التزام إسرائيل التام أو شبه التام باتفاق وقف
الأعمال العدائية (وخاصة بوقف النار)، إلا أنه بالمقابل، وعملا بالمبدأ القانوني
القائل بأنه لا يمكن لأحد أن يتذرّع بخسّته، لا يمكن لهذه الميليشيا الموالية
لإيران أن تتذرع ب"خستها" المتمثلة في رفضها تسليم سلاحها للدولة
اللبنانية، لتحلّ اليوم محلّ الدولة اللبنانية في معالجة مسألة الانتهاكات
الإسرائيلية لاتفاق وقف الأعمال العدائية خلال الأشهر الستة عشر الماضية. هذه عين
الوقاحة. طالما هناك ازدواجية سلاح
في لبنان، فهناك ازدواجية قرار، ولن يكون قرار الحرب بيد الدولة، ولن ينعم لبنان
ولو بحد أدنى من الأمن والسلم والاستقرار. هذا مبدأ سيادي يجب أن يكون ثابتا وغير
قابل للمساومة، بمعزل عن كل ما يمكن أن يثار حول الموضوع، ولا سيما أربع أمور.
أولا، ورغم كل الانتقادات المشروعة التي ينبغي توجيهها ضد
كثير من خصوم الحزب وتجاه خطابهم التحريضي الذي أصبح يشبه خطاب الحزب إلى حد كبير،
وهو ما تم التطرق إليه في التدوينة السابقة ("الانتصار الأكبر لحزب اللّه")، إلا
انّ ذلك لا يعني انه يصح أن تضع على قدم المساواة، في المسؤولية عن الكارثة (الحرب)
التي وقع فيها البلد، من قام بخطف بلد بأكمله عبر توريطه في حرب دفاعا عن بلد آخر
من جهة أولى، فارضا على لبنان الانخراط مرة جديدة في حرب لا شأن له فيها، ومن
فُرِض عليه فرضا هذا الخيار من باقي اللبنانيين من جهة أخرى، فينتقد، ولو بحدّة،
هذا التصرف المتمادي، أو يحاول تفادي الحرب أو الحد من فداحتها عبر قرارات
معينة. إنّ محاولة بعض الرماديين، من "الأغبياء المفيدين" لحزب اللّه، تبرئته
مما اقترفه مرة جديدة بحق البلد، عبر مساواته بخصومه، ومحاولة تضييع المسؤوليات
بهذه الطريقة، هي موضوعية زائفة تنضوي على إجحاف كبير وقبح شديد.
من جهة ثانية، كان من المأمول أن تتخذ الدولة اللبنانية
في الأشهر الأخيرة موقفًا سياسيًا أكثر حزمًا تجاه إسرائيل، وأن تمتنع بعض القوى
السياسية داخل الحكومة اللبنانية عن تبرير ما لا يمكن تبريره قانونيًا، لمجرد
تصفية الحسابات مع حزب اللّه: ألا وهو عدم التزام إسرائيل التام أو شبه التام
باتفاق وقف الأعمال العدائية.
ثالثا، وبالمقابل، على الدولة اللبنانية أن تتحرر من ضعف
إرادتها ومن ترددها في فرض سيطرتها على كامل أراضيها، ولا سيما بوجه حزب اللّه ، أي
أن تتخلص من قلة الحزم التي أحيانا كثيرة لا تنتج من خوف مشروع من اندلاع حرب
أهلية (إذ يتمتع حزب اللّه بشعبية واسعة في أوساط الطائفة الشيعية) ومن إمكانية
انقسام الجيش اللبناني، بقدر ما تنتج من نقص في الشجاعة السياسية، أو حتى عن تواطؤ
من قبل "الدولة العميقة" مع حزب اللّه، الذي كان وضع بيادقه في الأمكنة
المناسبة داخلها، بالتوازي مع فرض سيطرته تدريجيا على الدولة اللبنانية على مدى
العشرين سنة الماضية. إنّ الإفراط في "التفهّم" وفي التساهل وفي فرض
الأمن بالتراضي وبالإجماع يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ويجعل من مصداقية الدولة
اللبنانية في الحضيض أمام مواطنيها وامام المجتمع الدولي، إذ أصبح من الواضح انّ
السلطة الحالية قامت بعملية تورية وخداع كبرى بما يتعلق بحصر السلاح، وبيع أوهام
سياسية للبنانيين وللمجتمع الدولي.
رابعا، إنّ محاولة حزب اللّه تبرير هجماته المتجددة ضد
إسرائيل منذ 2 مارس/آذار 2026، بادّعاء أنها ردّ على انتهاكات إسرائيلية لاتفاق
وقف الأعمال العدائية منذ دخوله حيز التنفيذ، ما هي إلا نفاق محض لا يُصدّقه إلا
السذّج. في الواقع، يعرف القاصي
والداني انّ حزب اللّه يشن حملته العسكرية الجديدة هذه للدفاع عن إيران في العدوان
التي تتعرض له من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، خصوصا انّ قادة حزب اللّه كانوا
صرحوا بهذه النية بشكل واضح في عدة مناسبات قبيل اندلاع الحرب ضد إيران، ناهيك عن البيان
الأول للمرشد الإيراني الجديد الذي أشار إلى ذلك صراحة، وهو ما يحول لبنان إلى
ساحة لنزاع مسلح مرتفع الحدة من جديد، وكل ذلك لعيون إيران.
كفى دجلا على اللبنانيين.

Comments
Post a Comment