يستحق الخطاب المناهض لإلزامية
الانضواء ضمن أحد معسكري الاستقطاب السياسي في لبنان، أو ما يمكن ربما تسميته بالخطاب
المناهض للمعسكراتية (anti-
campisme)، التنويه
والثناء، خصوصا انه ما زال تيارا محدود الانتشار، ويتلقى السهام من المعسكرين الطاغيين.
غالبًا ما يُظهر أصحاب هذا الرأي السياسي نظرة ثاقبة ودقيقة وحكيمة للأمور، فضلًا
عن قدرة على التفكير المركّب، جدير بتعاليم إدغار موران، وهو ما يتناقض بشدة مع نمط
التفكير الثنائي السائد. وغالبا ما يحفّزهم هدف نبيل، ألا وهو محاولة انتشال
البلاد من الاستقطاب السياسي الحاد المحيط بحزب الله باعتباره جماعة مسلحة من غير
الدول، وبالتالي تجنب خطر انفجار لبنان.
مع ذلك، من المؤسف أن نلاحظ، أحيانًا، أنه نتيجة لبعض المقارنات التي تساوي خطأ، في بعض النقاط الأساسية، بين المعسكرين السياسيين السائدين في لبنان، تقع بعض المواقف المناهضة للمعسكراتية في النقيض تمامًا لما تُدينه، فتنزلق نحو "الخَلطانية" (confusionnisme)، وما يترتب عليها من تسطيح. فباسم مناهضة المعسكراتية، يتم أحيانا جمع طرفي الطيف السياسي اللبناني، وبشكل غير عادل، في خانة واحدة فيما يتعلق بالمسؤولية عن حالة الحرب شبه الدائمة التي يعيشها لبنان منذ سنوات. وباسم ضرورة تجنب الانقسام الوطني، يُطالب أحيانا بعض مناهضي المعسكراتية، اللبنانيين، عمليًا بكفّ انتقاداتهم لحزب اللّه أو تأجيلها، مع أن الأخير يدأب، في كل مرّة، على فرض الحرب كأمر واقع يجر لبنان إليه وبفرضه على اللبنانيين؛ وهذا أكثر ما يُذكّر بشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!" الذي غالبا ما استخدمته الأنظمة العربية الدكتاتورية لإسكات أي معارضة. وبدلًا من تفكيك خطاب حزب الله، يذهب بعض مناهضي المعسكراتيّة إلى حدّ تقديمه كأحد التفسيرات المشروعة، من بين تفسيرات أخرى، للسياديّة اللبنانية، مبرّرين بذلك "نسبية سيادية"، فيقعون مرة جديدية في الخلطانية. ويزداد هذا المنهج الفكري قصورًا عندما يتجاهل أحيانا، بما لا يخلو من العجب، تبعية حزب اللّه إلى إيران التي تمارس على هذه الجماعة المسلحة من غير الدول سيطرة فعلية غالبا. من خلال هذه المنهجية التقريبية، يُساهم بعض معارضي المعسكراتية، ربما دون قصد، في تقديم خدمة معتبرة لحزب الله وخطابه.
تجنبا لأن يتحول التركيب إلى التباس، ولضمان عدم انزلاق مناهضة المعسكراتيّة إلى الخلطانية، من الضروري التمسك بخطاب واضح، لا يساوم على الالتزام بمبادئ القانون العام (الداخلي والدولي)، ولا سيما النظرية العامة للدولة (مراجعة ليون دوغي أو ريمون كاريه دي مالبرغ). السيادة كلّ لا يتجزأ. فمن جهة أولى، لا يمكن المساومة على السيادة في بُعدها "الخارجي": من غير المقبول تبرير الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، بحجة أن ذلك سيمكّن البلاد من "التخلص" من حزب الله، وبالتالي استعادة سيادتها الكاملة في بُعدها "الداخلي" (سلطة الدولة اللبنانية وحدها على كامل أراضيها). كما أنه من الواجب رفض بعض دائرات القصر القانونية المؤسفة، التي تقوم بتحميل حزب الله مسؤولية الانتهاكات الإسرائيلية. فبنظر قانون الحرب (أو القانون ضد الحرب)، لا شيء يمكن أن يبرر أن يتجاوز الرد الإسرائيلي إطار الدفاع المشروع عن النفس وشروطه (التناسب والضرورة)، هذا إن سلّمنا جدلا انّ لإسرائيل حقا بالدفاع المشروع في لبنان. علاوة على ذلك، صحيح انّ حزب اللّه لا يلتزم أحيانا كثيرة بالموجبات التي يلقيها على عاتقه القانون الدولي الانساني فيما يتعلق بحماية المدنيين على الأراضي اللبنانية (حظر استخدام الدروع البشرية؛ مبدأ الاحتياطات من آثار الهجمات)، ولكن، بالمقابل، لا شيء يمكن أن يبرر الانتهاكات الإسرائيلية العديدة والخطيرة للقانون الدولي الإنساني في لبنان.
من جهة أخرى، ينبغي التأكيد على أنّ ثنائية الدولة/حزب الله (كجماعة مسلحة من غير الدول) عصية على التوفيقية، فلا يُمكن لأي نسبية سيادية أن تشكل حلًا لها. من غير المقبول المساومة على احتكار الدولة للقوة المسلحة ولقرار الحرب والسلم أو التحايل على ذلك، فاحترام سيادة الدولة اللبنانية، والعقد الاجتماعي بين اللبنانيين (الذي شكّله اتفاق الطائف، الذي أصبح دستورًا)، فضلًا عن العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبالتالي، بقاء لبنان نفسه، كلها أمور على المحك. وبالتالي، لا شيء يُعفي حزب الله وإيران (بصفتها الدولة التي تُمارس سيطرة فعلية عليه) من مسؤوليتهما عن فرض النزاعات المسلحة والانخراط فيها على لبنان وعلى الشعب اللبناني.
بكلام آخر، المطلوب من معارضي المعسكراتيّة، كي لا يشوّهوا طرحهم، أن يشددوا بوضوح على أنه لا يمكن لأي جهة أن تدّعي الدفاع عن السيادة في بُعدها "الخارجي"، بينما تنتهكها في بُعدها "الداخلي"، فالسيادة مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي: كلذعدم ثبات وكلّ انتقائية في تطبيقه، يُقوّضه وينمّ عن رياء، وذلك بمعزل عن هوية الطرف الذي يمارس ازدواجية المعايير هذه.
لمنع انزلاق مناهضة المعسكراتية إلى الخلطانية، من الضروري التأكيد على أن حق مقاومة الاحتلال العسكري ينطوي على شرط ضمني وأساسي يحميه من التلاعب والتحريف: يجب أن تكون ممارسته متوافقة دائمًا مع المصالح السيادية للدولة التي تُحتل أراضيها؛ أي ليس بعكس إرادتها وليس بما يضر بها ويخدم مصالح دولة ثالثة. وأخيرًا، من الأساسي أن تُدين مناهضة المعسكراتية أي انتهاك، بما في ذلك من جانب إيران، ولا سيما عبر حزب الله، لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبنان، وبالتالي أي انتهاك لسيادته.
إنّ مناهضة المعسكراتية فسحة أمل ونافذة رجاء في المشهد السياسي اللبناني. لذلك، سيكون من المؤسف جدا أن تُشوّه بسبب ما يمكن أن يكتنفها أحيانا من غياب الدقة، أو الوضوح، أو الصراحة، أو الحزم، أو الشجاعة.

Comments
Post a Comment