الإمبراطورية واستقلال لبنان


مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات في 24/06/2026

يعلم النظام الايراني أنّ هيمنة إيران على لبنان (وعلى القرار اللبناني) ركيزة من ركائز نظام الجمهورية الإسلامية، وشرط أساسي لبقائه. كما أنّ نظام ولاية الفقيه قارئ جيد للتاريخ، ويعلم أنّ سقوط الإمبراطوريات يبدأ غالبا بخسارتها لأطرافها. وخسارة الأطراف غالبًا ما تُنذر بسقوط المركز، عاجلًا ام آجلًا. ويشكّل لبنان "الطرف" الأهم بالنسبة لإيران؛ حيث استثمرت إيران لأكثر من أربعين سنة في تنظيم حزب اللّه (درة تاج إمبراطوريتها الثيوقراطية التوسّعية) الذي أصبح يشكّل غالبا حركة تمرّد من وجهة نظر قانونية، وهو انتهاك سافر من قبل إيران لمبدأ عدم التدخّل بالشؤون الداخلية لدولة أخرى (لبنان)

ولذلك، بعد توقيع مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، استقتلت الأخيرة (مباشرة في هرمز عبر التهديد بإعادة إغلاقه، وفي جنوب لبنان عبر ذراعها) للحفاظ على هيمنتها على القرار اللبناني، ساعية بأيّ طريقة من الطرق إلى فرض وحدة المسارين اللبناني والإيراني في المفاوضات (بوصفه مسارا رديفا لـ"وحدة الساحات" ونتيجه لها)، ومن أجل أن تبقى مُمسكة بلبنان باعتباره ورقة ضغط بيدها، ومجرّد ساحة لصراعاتها وحروبها، وخط دفاع أوّل عنها. وقد نجحت إيران في ذلك إلى حدّ كبير، ولا سيما خلال المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية التي جرت في برغنشتوك السويسرية، من خلال إقرار لجنة دوليّة إقليمية، بعضوية إيران، لمتابعة الملف اللبناني. 

ويأتي ذلك ليشكّل استكمالًا للنجاح الاستراتيجي المُعتبر الذي حقّقته إيران بنتيجة العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها، فصحيح أنّ الحرب على إيران (التي عارضت الدول العربية حدوثها وعملت جاهدة لتفاديها) أنتجت أضرارًا كبيرة لإيران وقدراتها العسكرية ولاقتصادها، ولكن من وجهة نظر استراتيجية، غالبًا قد خرجت إيران من هذه الحرب أقوى ممّا كانت عليه قبلها. فقد أعطت مذكّرة التفاهم الحرس الثوري ما يريده من وسائل مالية لترسيخ نظامه، مقابل إخراجها ترامب من مأزقٍ مضيق هرمز الذي أحدث صدمة عالمية وأفقر ناخبيه (مع معدّل تضخم وصل في الولايات المتحدة إلى 4.2%)، وهو ما أنذر بكارثة للجمهوريين قبل خمسة أشهر من انتخابات التجديد النصفي. 

أمّا بنتيجة هذه الحرب، فلا تغيير للنظام في إيران، ولا حتى تغيير سلوك أو تخلّي عن أذرع، ولا ذكر لقضية الصواريخ الباليستية الإيرانية في مذكّرة التفاهم: مغامرات ترامب ونتنياهو ضدّ إيران لم تفلح في تحقيق أيّ من هذه الأمور. ولعل أهم النتائج العكسية للحرب الأميركية الاسرائيلية ضدّ إيران، وأكثرها خطورة، أنّه بدل أن تقضي الحرب على نظام الجمهورية الاسلامية (وهو أحد الأهداف "الخيالية" المُعلنة في بداية الحرب، خصوصًا مع استهداف المرشد)، أتاحت الحرب عمليًا للنظام الإيراني ضخ دم جديد في عروقه، يتمثّل بجيل أكثر جرأة وثقة بالنفس. أثبتت الحرب على إيران أنّها غالبًا أحد الأخطاء الاستراتيجية بأكبر مفاعيل عكسية ارتكبتها أميركا في الشرق الأوسط منذ أصبحت قوّة عظمى (بعد الحرب العالمية الثانية). 

أما لبنان، فصحيح أنّ الملاحظات كثيرة على السلطة اللبنانية الحالية، ولا سيما على إدارتها للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن، ولكن، من ناحية أخرى، ولأوّل مرّة منذ عقود طويلة، تقول الدولة اللبنانية (إذ أصبحت في ظلّ السلطة الحالية): كفى! لن نرضى بعد اليوم أن يكون لبنان ورقة بيد إيران، ولا أن يكون قراره بيد الحرس الثوري الإيراني والولي الفقيه؛ نريد فصل المسارات، لا أحد غير لبنان يُفاوض عن لبنان، لبنان يفاوض عن نفسه.

هي معركة استقلال، معركة لتحقيق استقلال القرار اللبناني عن إيران، وفصله عن مشاريعها التي لم تجلب غالبًا إلى لبنان سوى الكراهية والدمار والقتل والتهجير. لن يكون الطريق لتحقيق هذا الاستقلال نزهة، بل هو طريق طويل، ومليء بالمطبّات والمصاعب، وهو طريق غير مضمون النتائج إطلاقًا، ولا سيما أنّ شراسة إيران ستشتد (مباشرة، وعبر ذراعها في لبنان) في مواجهة قرار لبنان سلوك هذا الطريق. وهو طريق خطير جدًا، وربّما أخطر ما فيه إمكانية وقوع لبنان فريسة لهيمنة أخرى خلال محاولة تحقيق الاستقلال عن الهيمنة الإيرانية على القرار. ولكن هذا طريق لا بُدّ منه، لأنّ استكبار إيران على لبنان، والمُتمثّل بإصرارها على استنزافه حتى آخر رمق خدمة لمصالحها، لم يبقِ للبنان خيارا آخر، وجعل سلوك هذا الطريق حتميًا، مهما كلّف الأمر.

أمّا أخطر ما في الوضع الحالي المُتعلّق بلبنان أنّ نقمة أكثرية اللبنانيين على حزب اللّه  (ولا سيما خارج "بيئته") أصبحت مهولة بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الحروب المُتواصلة عمليًا، فالقلق هو من أنّ أيّ خطوة ناقصة أو متهوّرة أو غير محسوبة في الداخل من قبل حزب اللّه، بفعل اعتقاد خاطئ بإمكانية عودة عقارب ساعة سيطرته على لبنان إلى مجدها، يمكن أن تُقابل هذه المرّة بمجابهة مفتوحة؛ فلن تقبل أكثرية اللبنانيين بعد اليوم بقاء تنظيم مسلّح، خارج عن سلطة الدولة، يُهيمن على البلد، وتُهيمن إيران عبره على قرار الحرب والسلم في لبنان، ولا أن يتم توريط لبنان في كلّ مرّة في حروب رغمًا عن أنفه، واستجرار الويلات عليه خدمة لمصالح ايران.  

وإذا كانت السلطة اللبنانية الشرعية جادة في تفادي حرب أهلية، عليها أن تسعى جديًا لحصر السلاح بيدها، أي ليس فقط بالخطابات، ومن دون أن يعني ذلك التهوّر والاصطدام المسلّح. ولتفادي حرب أهلية في لبنان، لا بُدّ من قرار أممي يطالب بوقف النار؛ انسحاب إسرائيلي كامل الى جنوب الخط الأزرق؛ قوة متعدّدة الجنسيات لمؤازرة الدولة بالقيام بواجبها في نزع سلاح المليشيات. أقلّه، يُعيد قرار كهذا قضية لبنان فعليًا إلى الأمم المتحدة (بدل الاستئثار الأميركي بالوساطة في المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية)، ويشكّل سندًا قانونيًا يمكن للبنان البناء عليه أو التفاوض على أساسه 

Comments