لبنان.. سوق المزايدات في القانون الدولي


مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات في 18/09/2026

ظاهرة التنافس بين القوى السياسية في المزايدة بما يتعلق بالقانون الدولي ليست جديدة في لبنان، بيد أنّ اللافت للنظر ما أصبح عليه اليوم حجم التداولات في سوق المزايدات هذا، وهو أمر ظهر بشكل جليّ، ولو بجزء يسير منه، في جلسة مجلس النواب لمساءلة الحكومة، التي انعقدت في 15 و16 أيلول/سبتمبر الجاري.

من جهة، هناك نزعة منتشرة ضمن خصوم حزب اللّه في لبنان، تعتبر أنّ عدم التزام هذا التنظيم العسكري، أحيانًا كثيرة، بالموجبات التي يلقيها على عاتقه القانون الدولي الإنساني في ما يتعلق بحماية المدنيين على الأراضي اللبنانية (حظر استخدام الدروع البشرية؛ مبدأ الاحتياطات من آثار الهجمات)، كافٍ لتبرير الاستهداف والتدمير اللذين يقوم بهما الجيش الإسرائيلي للمناطق والممتلكات المدنية في لبنان؛ وذلك من منطلق أنّ من شأن ذلك أن يوسّع دائرة “الضرورات الحربية” التي يمكن للعدو التحجج بها عندئذ. ولكن أفعال الجيش الإسرائيلي في لبنان غالبًا ما تتخطى بأشواط حتى ما يجيزه القانون الدولي الإنساني استثنائيًا في حالة الضرورات الحربية، فهذا الاستثناء ليس دون ضوابط، خصوصًا أنّ الفقرة 5 من المادة 57 (المتعلقة بالتدابير الوقائية) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنص على أنه “لا يجوز تفسير أي من أحكام هذه المادة بأنه يجيز شن أي هجوم ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية”. فضلاً عما تقدّم، لا شيء يمكن أن يبرر أن يتجاوز الرد الإسرائيلي إطار الدفاع المشروع عن النفس وشروطه (التناسب والضرورة)، هذا إن سلّمنا جدلاً أنّ لإسرائيل حقًا بالدفاع المشروع في لبنان.

بالمقابل، لديك من يروّج لأوهام قانونية حول أنّ إسرائيل ترتكب “إبادة عمرانية” في الجنوب، في حين أنه لا وجود لجريمة اسمها “الإبادة العمرانية” في القانون الدولي، فتدمير الممتلكات والاستيلاء عليها على نطاق واسع يشكّلان، عندما لا تبررهما ضرورات حربية، جريمة حرب بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وقواعد القانون الدولي العرفي، خصوصًا عندما يكون ذلك من فعل الدولة القائمة بالاحتلال في الأراضي التي تحتلها.

ولديك من يعتبر السلطة الحالية المسؤولة الوحيدة عن إطاحة القرارات الأممية ذات الصلة بلبنان، بفعل موافقتها على الاتفاق الإطاري، في حين أنّ المسؤول الأول عن ذلك، في الجانب اللبناني، هو نفسه من وضع البلد في مواجهة القانون الدولي، وخارج الشرعية الدولية ومظلّتها، في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ثم في 2 آذار/مارس 2026؛ فالقانون الدولي ليس لائحة طعام تختار منها ما يعجبك، فهو لا ينحصر بالحقوق، بل يتضمّن أيضًا موجبات ملزمة للبنان.

ولديك من يتحف الجماهير بمقولة أنه حتى لو لم يكن الاتفاق الإطاري ملزمًا قانونيًا، إلا أنه “ملزم سياسيًا”؛ في حين أنّ إلزامية نص دولي مسألة قانونية بحتة: فالنص إما أن يكون ملزمًا من الناحية القانونية (معاهدة) ويُترتّب عليه المسؤولية الدولية للدولة في حال انتهكته، وإما هو غير ملزم قانونيًا (gentlemen's agreement) ولا تترتّب عليه هذه المسؤولية في حال انتهاكه. أما أن تنتج مفاعيل سياسية في الواقع عن النص غير الملزم قانونيًا، فأمر طبيعي جدًا، ولكن هذه المفاعيل السياسية لا تجعل منه نصًا ملزمًا، فالتحليل السياسي لمفاعيل نص دولي لا يمكن أن يحل محل التوصيف القانوني لطبيعة هذا النص، بأي شكل من الأشكال.

ولديك من يتهم ـ بكثير من المبالغة الشعبوية ـ السلطة الحالية بـ “إسقاط مفهوم العدالة” عن بكرة أبيه، بسبب خطئها المتمثل في القبول بالبند 13 من الاتفاق الإطاري. صحيح أنّ هذا البند نقطة سوداء تضاف إلى سجل السلطة الحالية، وينم عن خضوع معين من لبنان لإملاءات إسرائيلية، كما أنه يشكل تشويهًا لمبدأ “حسن النية” في التفاوض الذي ينص هذا البند على أنه الهدف المتوخى منه، ولكنه لا يشكل “إسقاطًا لمفهوم العدالة”، فلو كان نصًا إلزاميًا، و/أو لو شمل جميع وسائل مقاضاة إسرائيل أو إسرائيليين بالجرائم المرتكبة، لكان شكّل عندئذ إسقاطًا لمبدأ العدالة.

وهنا، يمكن القياس على ما يقوله العلامة في القانون الدولي العام، البلجيكي جو فيرفوهين، في مقال بحثي له حول القواعد الآمرة (jus cogens) في القانون الدولي، منشور في سنة 2008: “ وكذلك الحال بالنسبة للعلاقة بين قاعدة حقوق الإنسان التي تضمن المحاكمة العادلة وبين القاعدة التي تمنح الحصانة (...). يصعب فهم كيف يمكن للبعض ادعاء وجوب استبعاد الحصانة في حالات انتهاك القواعد الآمرة. (...) إذ لا ينبغي استبعاد قاعدة الحصانة إلا في حال حرمان الفرد بشكل كلّي من حق اللجوء إلى القضاء”.

وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنّ المقاضاة ليست طريقًا باتجاه واحد، فعندما سيقاضي لبنان إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني - وهذا أمر واجب -، ينبغي توقّع أنه ستتم أيضًا ملاحقة قيادات وعناصر من حزب اللّه بما يتعلق بانتهاكات لنفس القانون، فضلاً عن إمكانية ملاحقة أركان الدولة التي تمارس سيطرة فعلية على حزب اللّه- أي إيران - بجريمة “العدوان”، وإمكانية ملاحقة الدولة اللبنانية لأنها لم تمارس سيادتها وتحول دون فتح الجبهة من أراضيها؛ وهذا غيض من فيض.

فهل سيقبل حزب اللّه بأن يعرّض نفسه، وإيران الراعية له، للمساءلة القانونية الدولية بما يتعلق بالساحة اللبنانية؟ وهل سيقبل هذا التنظيم بأن ينضم لبنان إلى الجنائية الدولية، أم ستظل مصالح الحزب تلتقي مع مصالح الولايات المتحدة في هذا الخصوص؟ وهل تقاس أصلاً جدية بعض المسارات القضائية (خصوصًا أمام الجنائية الدولية، فإسرائيل ليست عضواً في نظام روما الأساسي)، والجدوى القانونية منها، بقابليتها لأن تكون مادة للتوظيف السياسي بهدف الضغط على إسرائيل، أم بمدى فعاليتها الحقيقية في ملاحقة المتهمين الإسرائيليين ومعاقبتهم؟

بالمحصلة، لا بد من التكرار أنه من الضروري رفض الاتفاق الإطاري، ولا سيما لما يتضمنه من شرعنة للاحتلال الإسرائيلي، ولكن قبل الدخول في حفلة من النفاق وادعاء الطهرانية، وفي مزايدات قانونية فارغة وشعبوية لإشاحة النظر عن مسؤولية حزب اللّه الأساسية عما وصل إليه لبنان، ولإلقاء كل المسؤولية على عاتق السلطة الحالية وحدها، وقبل بيع أوهام قانونية دولية للضحايا، من الأبدى الإجابة على هذه الأسئلة، خصوصًا أنّ تجربة محكمة الحريري، فضلاً عن سجلّ انتهاكات حزب اللّه الحافل في سورية دعمًا للنظام البائد، تفيد بأنّ الجواب سيكون سلبيًا على الأغلب

Comments