مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات في 19/10/2026
في جانب مهم منه، يشكل ما حدث في فرنسا يوم
17أكتوبر/تشرين الأول فشلاً أمنياً كبيراً؛ فمن الجليّ أن السلطة التنفيذية قد
فشلت في توقع حدة الاحتجاجات وضخامتها، وبات من الواضح أنها قلّلت، في تقديرها
المسبق، من حجم الغضب الذي يتجاوز بأشواط نطاق تلامذة الثانويات، ولا سيما مع
انضمام شرائح وفئات اجتماعية واسعة، بما في ذلك عودة السترات الصفراء إلى الشارع،
وهي الحركة التي طبعت بدايات الولاية الأولى للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
بحراكها.
فضلاً عن سوء التقدير، فإن الأساليب المتبعة لمنع بعض
التظاهرات، مثل الاستخدام المكثّف للغاز المسيل للدموع حتى قبل بدء الاحتجاجات،
بينما كان الناس لا يزالون يتوافدون إلى نقاط التجمع، أو أسلوب تطويق المتظاهرين
ما يُعرف بـ"تقنية المصيدة"، أدّت إلى نتائج عكسية تماماً، وأفضت، في
الواقع، إلى تأجيج العنف.
كما يُسجل فشل على مستوى الاستخبارات، ولا سيما في ما
يتعلّق بمجموعات "البلاك بلوك" أو "الكتلة السوداء"، وهي
مجموعات من الملثّمين الذين يرتدون الملابس السوداء، ويدأبون، أثناء المظاهرات،
على ممارسة الشغب وخوض معارك الشوارع وتخريب الممتلكات العامة والخاصة والنهب. وقد
أظهرت عمليات التوقيف التي نفّذتها الشرطة أثناء أعمال الشغب أن بعض عناصر
"الكتلة السوداء" قدموا خصيصاً من بلدان أوروبية مجاورة، مثل سويسرا
وإيطاليا، للمشاركة في احتجاجات 17 أكتوبر.
وعلى مستوى سياسي أعمّ، يُسجَّل فشل الخيار الأمني بوصفه
الردّ الوحيد على الاحتجاجات. فبدلاً من معالجة أسباب الغضب الذي يولّد هذه
الاحتجاجات، اكتفت السلطة بالردّ عليها باستخدام القمع، بما يراكم الشعور
بالازدراء، وهو ما لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع. ويُضاف إلى ذلك دور وسائل
الإعلام التابعة للسلطة أو المؤيّدة لها، وهي غالباً وسائل إعلام يملكها كبار
المتموّلين الفرنسيين، إذ ركّزت، في تغطيتها للحراك، بشكل شبه حصري على أعمال
العنف، وأهملت المظاهر الأخرى للحراك، ولا سيّما مظاهره السلمية التي كانت طاغية،
وذلك بهدف شيطنته.
وهنا يُلاحَظ فشل مزدوج لاستراتيجية "الإنكار
والتجنّب" التي تتّبعها السلطة الفرنسية، والقائمة على محاولة تفادي معالجة
أسباب الغضب عبر اللعب على وتر "الأخلاق والتأثيم"، وتحديداً من خلال
تحميل حزب "فرنسا الأبية"، برئاسة جان لوك ميلانشون، مسؤولية كل ما
يحدث، بهدف توجيه الغضب الشعبي نحو زعيم اليسار الراديكالي وحزبه.
ولا يتمثّل فشل هذا النهج في أنه لا يعالج شيئاً من الأسباب الاجتماعية للغضب فحسب، بل أيضاً في أنه يؤدي إلى نتيجة عكسية لما يبتغيه؛ فميلانشون، بحكم كونه زعيماً شعبوياً، يستمدّ قوّته من الانقسام السياسي والاستقطاب الحادّ، وكلما ازداد نفور جزء من الفرنسيين منه ومن حزبه، ازداد، في المقابل، إعجاب الجزء الآخر به وتأييده له.
وفي المقلب الآخر، ينطبق الأمر ذاته، في ما يتعلّق بهذه
الدينامية الشعبوية تحديداً، على مارين لوبين، زعيمة اليمين المتطرّف، حتى وإن
اختلفت أفكارها وطروحاتها وخطابها اختلافاً كلياً عن أفكار ميلانشون وطروحاته
وخطابه. فحالة الفوضى والتخبّط السياسي الناتجة عنها تصبّ أيضاً، وإن اختلفت
الأسباب، في مصلحة حزب لوبين وخطابه، ولا سيّما أن "التجمّع الوطني"
يقدّم نفسه بوصفه الحزب "الحازم" الذي سيعيد، بعصاً سحرية، النظام العام
إلى شوارع فرنسا في حال وصوله إلى السلطة في الربيع المقبل.
وتثير هذه الفرضية قلقاً من أن يكون ذلك على حساب الحريات
العامة، خصوصاً أن كثيراً من أعضاء حزب "آل لوبان وشركائهم" وممثّليه
ومرشّحيه يتّسمون بنزعة تسلّطية فاشية، أو، قل، بنزعة تجنح نحو الفاشية، ناهيك عن
مختلف ضروب العنصرية وكراهية الآخر المتفشّية في صفوف هذا الحزب. ويُضاف إلى ذلك
أنه يربط، من خلال دائرة قصر أيديولوجية سطحية، بين الإخلال بالأمن خلال التظاهرات
والمهاجرين، ولا سيّما المسلمين منهم، ملتقياً في هذه السردية مع الرئيس الأميركي
دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، اللذين يقدّمان له دعماً ثميناً.
وقد سارع التيار الهويّاتي، بقيادة ماريون ماريشال، ابنة
شقيقة رئيسة الحزب مارين لوبين، وهو التيار الأكثر تشدّداً داخل هذا الحزب، إلى
الاستثمار السياسي في صورة انهيار برج جرس مبنى بلدية ليموج، بعد احتراقه إثر
إضرام محتجّين النار في المبنى، للغمز من قناة سردية احتراق "فرنسا
المسيحية" على أيدي "الغزاة المسلمين الأشرار"، الذين ينفّذون،
وفقاً لهذه السردية، "الاستبدال الكبير" بحقّ الشعب الفرنسي.
وهذه سردية تلتقي مع سردية أحزاب الوسط الحاكم واليمين،
التي تنكر، أو تتستّر على حقيقة أن ما حدث في 17 أكتوبر كان انفجاراً للغضب
الاجتماعي المتراكم في فرنسا. وقد مهّد حراك تلامذة الثانويات لانفجار هذا الغضب،
المترافق مع تفاقم الشعور بالإجحاف والظلم على مدى عقد من الماكرونية، ولا سيّما
أن السلطة، خلال هذه الفترة، عالجت أزمة دولة الرعاية الاجتماعية عبر سياسة تقشّف
نيوليبرالية تقوم عملياً على تفكيك المرافق والخدمات العامة، في حين قدّمت إعفاءات
ضريبية معتبرة لكبار الأثرياء والمتموّلين، ما أدّى إلى مضاعفة ثرواتهم. وقد جرى
كل ذلك في ظل ارتفاع مستمر في معدلات التضخّم وتراجع القدرة الشرائية، ليس لدى
الطبقات الشعبية فحسب، بل أيضاً لدى الطبقة الوسطى، التي ينتشر في أوساطها شعور
قوي بالانحدار في المستوى الاجتماعي والطبقي، وبالتوازي مع أزمة ديون فرنسية تنذر
بتفاقم الأوضاع.
ومن الصعب جداً السيطرة على هذا الغضب العارم من خلال الحل الأمني وحده، بل إن هيمنة المقاربة الأمنية من شأنها أن تؤجّجه. وأمام هذا الوضع، من الخطير، بل غالباً ما يكون كارثياً، أن تواصل السلطة التنفيذية التمسّك بخياراتها الخاطئة ونهجها القائم على الازدراء. ومن الضروري أن تقرّ السلطة أولاً بمسؤوليتها الرئيسية والمتشعّبة عن الفشل الذريع الذي وقع في 17 أكتوبر، وما رافقه من فقدان للسيطرة في أحيان كثيرة، وأن تترجم هذا الإقرار عملياً من خلال تقديم بعض الاستقالات.
علاوة على ذلك، لا بدّ من وضع حدّ لاستراتيجية "الإنكار والتهرّب"، والتعامل بجدّية مع الأسباب العميقة للغضب الشعبي المشروع. فمثلاً، يمكن أن يشكّل استقبال ممثّلي تلامذة المدارس الثانوية وفتح حوار معهم ومع فئات أخرى من المشاركين في الاحتجاجات خطوة أولى جيدة على المسار الصحيح

Comments
Post a Comment