أسرلة لبنان وتغيير المعادلة الداخلية


مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات في 22/10/2026

يتصرف جزء من معارضي حزب الله في لبنان بناءً على اعتبارهم سلاح إسرائيل بمثابة سلاحهم في مواجهة سلاح حزب الله التابع لإيران، وأن التحالف مع القوة الغاشمة الإسرائيلية فرصتهم الثمينة للعودة بعقارب ساعة المعادلة الداخلية إلى ما قبل اتفاق الطائف، وإلى إحياء هيمنة طائفية معينة في لبنان، معتقدين أن "العصر الإسرائيلي"، في حال تحقق في المنطقة، سوف يكون أيضاً عصرهم في بلاد الأرز، وهم يعيدون تدوير بعض النظريات التي كانت سائدة ضمن هذه الأوساط، ولا سيما في مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة 1982.

هؤلاء لا يهمهم معالجة مسألة سلاح حزب الله من خلال منطق الدولة، وبسط سيادتها الحصرية على كامل أراضيها، بقدر ما يريدون، في الحقيقة، "التخلص" من حزب الله عبر التحالف مع إسرائيل، ولو كان ذلك على حساب سيادة لبنان بشقها الخارجي، ومن خلال استبدال الهيمنة الإيرانية بالهيمنة الإسرائيلية، مع ما يلازم ذلك، بنظرهم، وهنا بيت القصيد، من استبدال، في الداخل، لهيمنة طائفية (شيعية)، بغلبة طائفية أخرى (مارونية).

طائفياً، يشكل هؤلاء، بشكل أساسي، تياراً صاعداً داخل بعض أحزاب اليمين المسيحية، فضلاً عن تيار أصبح حجمه معتبراً ضمن الدروز، يقف في وجه الزعيم وليد جنبلاط، خصوصاً بعد أحداث السويداء. ولكنك تجدهم، أيضاً، في تيار ضمن الشيعة المعارضين لحزب الله، يسميه الشيعة الآخرون، المعارضون أيضاً لهذا التنظيم المسلح نفسه، بـ"التيار الإبراهيمي"، نسبة إلى اتفاقيات أبراهام التي يدعون إلى انضمام لبنان إليها. ويشكلون أيضاً، ضمن السنة، تياراً، ما زال ضعيفاً، رغم محاولات بعض اليمين المسيحي، الباحث عن "مسلمين للإيجار" (rented muslims) من أجل إضفاء بعض من وهم الشرعية "الوطنية" على خطابه، تضخيم حجمهم إعلامياً.

أضحى هذا المشروع يعبّر عن ذاته بشكل صريح، وتصاعدي الوضوح، وتقود هذا التعبير وسائل إعلامية مملوكة لمصرفي لبناني، يفاخر بصهيونيته، وبلقائه بنيامين نتنياهو في واشنطن. وتشكل، على سبيل المثال، الدعوات إلى إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، في ظل احتلال لأجزاء واسعة من لبنان، واعتداءات يومية، وتدمير كامل لقرى ومدن وبلدات في الجنوب، أحد طروحاته.

ويترافق ذلك مع هيمنة ثقافية، بالمعنى الذي يقول به الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، آخذة بالتحقق في أوساط طائفية معينة، لخطاب هوياتي، عنصري، سوبريماسي، إسلاموفوبي، إقصائي، ضد باقي اللبنانيين، وإن كانوا أيضاً معارضين لحزب الله، تحت ادعاء أنهم "ما بيشبهونا" هوياتياً (ولا سيما دينياً وثقافياً)، فضلاً عن التشكيك في "صفاء" لبنانيتهم، وتصنيف اللبنانيين هرمياً بين لبناني حقيقي، ولبناني فقط على بطاقة الهوية.

ويتم التركيز على اجترار سرديات تتعلق بمظلوميات الماضي، بما لا يخلو من المانوية، والمبالغات، وانعدام الدقة، خصوصاً حول "1400 سنة من الاضطهاد الإسلامي"، بهدف إثارة الانقسام بين اللبنانيين، وتأجيج الكراهية ضد الأكثرية المسلمة، ولإظهار نقطة التقاء مع أقلية أخرى في المنطقة، وهي الأقلية اليهودية، فضلاً عن العودة بالمخيال الجماعي الطائفي إلى الحروب الصليبية التي "كسرت شوكة الإسلام" في الشرق.

ويتم تقديم هذه السرديات على أنها "أبحاث تاريخية علمية"، في حين أنها، في الحقيقة، غالباً ما تكون مجرد روايات من "التاريخ الهوياتي". والتعبير الأخير للمؤرخ الفرنسي جيرار نوارييل الذي يُميّز تمييزاً دقيقاً بين التاريخ، والذاكرة، والهوية، محذراً، في كتبه ودراساته، من مخاطر توظيف الماضي سياسياً، فالذاكرة، وفق الكاتب نفسه، علاقة بالماضي، تتجذر في العواطف، والتجارب المَعِيشة، والمعاناة، أو الانتماء إلى مجموعة ما، وينبغي عدم الخلط بينها وبين التاريخ، رغم وجود تفاعل بينهما، لأن لكل من التاريخ والذاكرة منطقاً خاصاً به، فالتاريخ يقوم على نهج نقدي وعلمي يتسم بالموضوعية والمسافة النقدية، حيث يُسائل المصادر، ويستكشف تعقيدات الماضي وتناقضاته، وهو ما قام به مثلاً المؤرخ اللبناني كمال الصليبي في تفكيكه لتلك السرديات حول تاريخ لبنان.

ويخلص هذا الخطاب، القديم ـ الجديد (مراجعة كتاب "المتاهة اللبنانية، سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان 1918 ـ 1958"، للجنرال الإسرائيلي رؤوفين أرليخ)، إلى التشديد على أهمية التحالف بين الأقليات في المنطقة، ولا سيما بين الموارنة واليهود، خصوصاً باعتبار أن هاتين الأقليتين تشتركان، وفقاً لهذا الطرح، في قاسم مشترك أساسي: كونهما امتداداً، في الشرق، للغرب و"تفوّقه الحضاري"، ورأس حربة له بوجه الإسلام، في ظل "صراع الحضارات".

هذا المشروع لا يقلّ خطورة على لبنان، وعلى بقائه، من حزب الله ومشروعه الفئوي. وربما سيفرض الوعي التدريجي، ضمن الأوساط المعارضة لحزب الله وسلاحه، بحقيقة مشروع أسرلة لبنان، وبخطورته، البحث في ضرورة مواجهته، بأي وسيلة كانت، بهدف وقف تمدده، ثم كسره، مرة أخرى، ولو تطلب الأمر التحالف مرحلياً مع حزب الله، أي مثلما تطلب الأمر، في الماضي، التحالف مع نظام حافظ الأسد في سورية.

ولكن يبقى العائق الأساسي، أمام هذا التحالف، تعنت حزب الله وإيران في عدائهما غير المعلن للسنة وللدول العربية، فلا إمكانية للبحث في أي تحالف مع حزب الله قبل أن يتواضع قليلاً ويحاول، من جانبه، فتح صفحة جديدة. بيد أن موقف الحزب السلبي، على سبيل المثال، من إطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير، ومحاولة عرقلة هذا الأمر، يشي بأنّ التقرّب من خصومه، ولا سيما من الطائفة السنية، المعارضة بأكثريتها الساحقة لأسرلة لبنان، ما زال خارج البحث بالنسبة إليه.

في جميع الأحوال، الخشية، اليوم، من أن تكون الأمور قد تخطت الدولة اللبنانية والمعالجات الدولتية، المقصّرة أصلاً في معالجة سلاح حزب الله، والمترددة في تنفيذ حصرية السلاح، وغير القادرة عليها، وأن يسبّب غرق البعض، ولا سيما عبر حلف الأقليات، في وحول مشاريع الاستقواء بإسرائيل وبقوتها الغاشمة، بهدف الهيمنة الطائفية في لبنان، بقلب التحالفات في الداخل، وإن كان ذلك على المدى غير القريب. ومن شأن ذلك، ليس فقط أن يريح حزب الله الطامح أيضاً، من جهته، إلى ترسيخ هيمنته الطائفية عبر تعديل المعادلات الدستورية التي أرساها الطائف، بل أن يجعل من سلاحه يظهر بصورة الحامي ليس للشيعة (بجزئهم الأكبر) فحسب، بل لأولئك اللبنانيين الذين، على اختلاف طوائفهم، لا يريدون الخضوع لمشروع أسرلة لبنان، وما يلازمه من محاولات إخضاع الداخل لغلبة طائفية فئوية معينة، عبر تحالفها مع سلاح البطش الإسرائيلي.

كان الله بعون لبنان

Comments