البعث طريقونا"، كانت هذه العبارة مكتوبةً، بهذا
الشكل، على حائط المبنى القديم للسفارة الباكستانية في منطقة القنطاري في بيروت،
صعوداً باتجاه شارع الحمرا، انطلاقاً من برج المر. ينتصب هذا الأخير، بطوابقه
الـ34، عند أحد خطوط التماس القديمة، بين ما كان يعرف ببيروت الغربية وبيروت
الشرقية، وقد كان عندئذ ثكنةً لـ"الجيش العربي السوري"، بعد أن توالت
على إشغاله المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، منذ اندلاع الحرب الأهلية في
1975، التي تسببت، بعدم إكمال عمرانه.
كنت أمرّ دائماً من هذه الطريق متوجهاً من منزل أهلي
الكائن في زقاق البلاط، نحو مدرستي الفرنكوفونية التي كانت "مهجرةً"،
بفعل الحرب، وخصوصاً منذ الاحتلال الإسرائيلي سنة 1982، من بشامون في ضواحي بيروت
الجبلية، إلى مبنى جامعة الهايكازيان في العاصمة. في كل مرة، كان يستوقفني الخطأ
الإملائي الفادح في هذه العبارة (الواو في "طريقونا")، وأسأل نفسي عن
التعارض بين كلمتي البعث و"طريقونا" فيها. فكيف لمن يدين بالولاء لحزب
عقائدي يبشر بالقومية العربية، وبقدسية لغتها، وخلود رسالة أمتها، ويحقّر غالباً
استعمال أي لغة غير لغة الضاد، لا بل يدينه ويخوّنه ويزدريه ويتهكم عليه، كيف له
أن يرتكب مثل هذه "الجريمة اللغوية"، إن صح التعبير، بحق اللغة التي
يقدسها ويحرّم استعمال غيرها؟
كنت أقول في نفسي، بما تيسّر من إرهاصات تفكير في عمر ما
قبيل المراهقة، ربما تقديس "البعث" للغة العربية، وتحويل التعريب إلى
تابو أخلاقوي غير قابل للنقد، ليس في الحقيقة إلا مجرد دعاية سياسية لذر الرماد في
العيون. فلو كان "البعث" الحاكم آنذاك في سورية، الذي كان جيشه، بحسب
السردية الرسمية، "يشيع السلام والوئام والتآخي والمحبة في لبنان وبين
اللبنانيين"، لو كان فعلاً يقدّس اللغة العربية، لكان أمّن مستوى تعليميّاً
في اللغة العربية يناسب خطابه الذي يقدسها، لا سيما للشرائح الشعبية الفقيرة التي
يدعي تمثيلها والحكم باسمها، ولما كان بعض جنود جيشه، الذين يأتون غالباً من هذه
الطبقات الشعبية، بهذا المستوى في اللغة التي يحرّم استعمال غيرها. كنت أسأل نفسي،
هل هذا ما جنته تابوهات التعريب الإلزامي على العربية؟
ثم أنصرف إلى مدرستي الفرنكوفونية،
"البرجوازية"، العلمانية، اللبنانية. للمفارقة، كان لمدرستي هذه، مثل
مدارس لبنانية أخرى كثيرة، علمانية، أو دينية: مسيحية أو مسلمة، الفضل الأكبر في
تعليمي، وفي تعليم أجيال من اللبنانيين، قواعد لغتنا العربية، وتذوّق مفرداتها،
وأصول التعبير فيها. كما غرست هذه المدرسة فينا حرية النقد، بدءاً من النقد
الذاتي، بما في ذلك نقد البرجوازية، والفرنكوفونية، والمجتمع اللبناني، والشوفينية
اللبنانية، ولكنها علّمتنا أيضاً رفض إشاعة الصور النمطية وتعميمها، بما في ذلك عن
سورية، وعن لبنان، وعن سائر الدول العربية وثقافات العالم وحضاراته؛ كل ذلك في عزّ
الحرب، والاحتلالات الأجنبية المتعاقبة على لبنان.
وهذا أمر يتعارض مع بعض الصور النمطية، التي يشيعها بعض
العرب عن لبنان، حول "فرنجة" لبنان عامةً، وبيروت خاصةً، وعن جهل
اللبنانيين المزعوم باللغة العربية، بسبب انشغالهم بلغات "غريبة" تدنّس
"الصفاء اللغوي". ويرافق ذلك، بشكل أوسع، تنميط حول "ضعف"
عروبة كثير من اللبنانيين، وتشكيك في انتمائهم العربي وفي وطنيتهم، بما في ذلك
بوجه "إسرائيل". المفارقة هنا أنّ من ينظّرون على اللبنانيين، ويغدقون
عليهم بدروس عظيمة في الأخلاق القومية، وفي كيف تكون الوطنية والسيادة والولاء
للوطن، غالباً ما يفعلون ذلك من بعيد، وفي حين أنّه لم يسبق لهم أن عاشوا في
حياتهم ولو حرباً واحدةً، ولم يختبروا أهوال الحروب ومآسيها، ولذلك يعجزون عن فهم
توق أغلبية اللبنانيين لحدٍّ أدنى من السلم والأمن، بعد أكثر من خمسين سنةً من
استمرار دوامة الدم في بلدهم، لا سيما بسبب جعل بلاد الأرز ساحةً لتصفية الحسابات
الإقليمية بالحديد والنار.
هل يعود ذلك أيضاً لتشرب هذا البعض، على اتساع العالم
العربي، بما في ذلك في لبنان، "ثقافة" البعث، واستبطان ما شاكلها من
ديباجات "الممانعة"، وخطابها، ولغتها الخشبية، التي تستمر كلها في
التفاعل بعد اندثار "البعث" في سورية وفي العراق؟ ربما.. خصوصاً أنّ هذا
"العربي القديم" بنمط تفكيره، إن جاز التعبير، لا مكان لديه للرأي
الآخر، بل يفضّل غالباً شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وغيره من
الأدبيات الخشبية، التي يراد منها مصادرة التفكير والنقد، وذلك في كل مرة يوضَع
اللبنانيون أمام الأمر الواقع المتمثل في حرب جديدة، هي غالباً حرب جديدة للآخرين
على أرضهم، تفرض عليهم. كل ذلك، تحت طائلة إيغال هذا البعض في تخوين كل من يخالفه
الرأي، لا سيما كل من يتجرأ على التمسك بدولته، وإعلاء الصوت بوجه مليشيات عابرة
للدول، تنحر البلدان، وتخطف، باسم شعارات واهية، بلداً برمته كرمى لعيون الجهة
التي تدين بالولاء لها خارج الحدود، وترميه في فم الذئب الإسرائيلي المجرم،
المتربّص به.
السيادة كلٌّ لا يتجزأ. لا يمكنك أن تفرّط بالسيادة
(بشقها الخارجي)، لا سيما عبر تقديم تنازلات مجانية للإسرائيلي، أو من خلال تبرير
عدوانه على بلدك، وذلك بذريعة استرجاع السيادة كاملةً (بشقها الداخلي). ولكن، في
المقابل، لا يمكنك أن تدعي الدفاع عن السيادة (بشقها الخارجي)، في حين أنك تنتهكها
(بشقها الداخلي). خصوصاً أنّ السيادة مبدأ أساسي في القانون الدولي: لا يمكنك أن
تكون مع القانون الدولي، أو أن تتذكره، أو أن تطالب بتطبيقه، فقط عندما يكون ذلك
لصالحك. فالقانون حقوق وموجبات، ولذلك الانتقائية نفاق، أما قمة النفاق، فهي
التظلم من الانتقائية وازدواجية المعايير، في حين أنك تمارسها.
يعترف القانون الدولي بالحق بمقاومة الاحتلال، ليس كي
يجرى تحوير هذا الحق عبر استعماله ذريعة ضد مصلحة الدولة التي تدعي الجماعة
المسلحة من غير الدول (التعبير من القانون الدولي) الدفاع عنها، لا سيما ليس
لاستجلاب الاحتلال من جديد أو توسيع رقعته، وفي حين أنّ هذا التنظيم المسلح يمارس
العمل العسكري خارج إطار الدولة وضد إرادتها. الأمر يختلف قانونيّاً مع ما هو قائم
في الأراضي الفلسطينية المحتلة مثلاً، حيث لا دولة فلسطينية، وحيث كل الأراضي
الفلسطينية محتلة، بما في ذلك غزة قبل "طوفان الأقصى" في أكتوبر/ تشرين
الأول 2023، إذ يعتبر القانون الدولي أنّ الحصار المفروض على القطاع يرقى إلى حالة
احتلال عسكري.
رغم كل المحن التي يمرّ بها، وغالباً المفروضة عليه، يبقى
لبنان نقطةً مضيئةً في العالم العربي، إلى جانب واحات أمل أخرى، لأنه أرض العروبة
الجديدة بامتياز، ولأنه موطن الإنسان العربي الجديد عن جدارة. فلبنان، القائم على
الحرية، لا سيما حرية التفكير والرأي والنقد، سيبقى يهزّ أركان رتابة التفكير، وما
شاكلها من أوهام، وسيبقى، رغم كل شيء، مصدر تحرّر من رثاثة التنظير الديماغوجي،
ومن الأدبيات الخشبية. سيبقى لبنان، بإذن اللّه، وسيبقى يتجرأ على قول
"لا" للعدوان وللاحتلال، و"لا" لخطف البلدان الذي يحدث باسم
تابوهات "وطنجية" و"قومجية"؛ وسوف يبقى يشدد على أنّ التفكير
المغاير ليس جريمةً ولا عاراً، وأنّ الاختلاف بالرأي لا يعني الخلاف.
سيبقى لبنان، بعزّ انقسامه، مختبراً، جدليّاً هيغيليّاً،
لتمخّض الإنسان العربي الجديد.

Comments
Post a Comment