مقال نشره العربي الجديد/مدونات بتاريخ 05/05/2026
إنّ غياب الدور السني في لبنان، المستمرّ على أقل تقدير
منذ تعليق الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري عمله السياسي (مع تيار المستقبل)،
يشكّل مشكلة كبيرة للبلد، خصوصاً في هذه المرحلة المصيرية وشديدة الحساسية
والخطورة. هذا الفراغ لا يمكن أن يملأه أيّ سفير دولة عربية؛ بل، في الواقع، إنّ
ما يمكن أن يرقى لتدخل في شؤون البلد والطائفة يشكّل سبباً أساسياً في غياب
الاستقلالية في القرار اللبناني السني، ما من شأنه غالباً، أن يجعل من سنّة لبنان
مُلحقين سياسياً في الداخل: إمّا بالقوى المسيحية الأساسية (وهذا وضع أكثرية السياسيين
السنة)، وإمّا بالثنائي الشيعي (سنّة "الممانعة"، بمختلف أطيافهم)، ما
يزيد الاستقطاب السياسي استقطاباً، والشرخ اللبناني- اللبناني حدّة.
إنّ استقلالية القرار السياسي عن الخارج، والابتعاد عمّا
يرافقه من اصطفاف مانويّ في الداخل، كفيلان بإعادة الحياة للدور السياسي السني،
باعتباره صمّام الأمان في المعادلة الطائفية اللبنانية، وبالاختلاف مع استلحاقهم
القائم حالياً (بكثير من التبعية) بين طرفي الاستقطاب. بإمكان سنّة لبنان، ومن
واجبهم الوطني، لعب دور أساسي في تقريب وجهات النظر بين الشيعة والمسيحيين، وخفض
درجة التأزم السياسي في الداخل، خصوصاً أنّ الثوابت الوطنية التاريخية للسنة، التي
ما زالت غالباً طاغية ضمن "المزاج" السني العام في لبنان، تخوّلهم لعب هذا
الدور. يتفق سنة لبنان بأكثريتهم، في جزء من ثوابتهم، مع المسيحيين (سيادة الدولة،
حصرية السلاح، خيار التفاوض لوقف الحرب)، وفي بعضها الآخر، مع الشيعة (التحسّس من
خطر إسرائيل وعدوانيتها، رفض "سلام" الاستسلام).
من يُسأل عن غياب الإرادة في استرجاع استقلالية قرارهم،
ودورهم السياسي، هم سنّة لبنان أولاً. فالزعامات السنية، بشقيها السياسي والديني،
التي أثبتت مؤخّراً أنّها تستطيع أن تضع جانباً، وبلمح البصر، كلّ الخلافات التي
تعصف بها، وأن تهبّ للذود عن صاحب مولّد كهرباء مطلوب بمذكرة إحضار من النيابة
العامة المالية (وبمعزل عن حيثيات هذه القضية ومسألة أحقيتها)، الأحرى بها أن
تلتقي على مبادرة سياسية إنقاذية للبنان، تستعيد من خلالها استقلالية قرارها،
ودورها الوطني الريادي والشامل والجامع والإنقاذي.
ولعلّ الأكثر إلحاحاً هو مسألة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. فلبنان يفاوض من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وجعله شاملاً، فضلاً عن انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي الكامل إلى جنوب الخط الأزرق، واسترجاع الأسرى، وترسيم الحدود. هنا، دور سنّة لبنان أن يدعموا هذه المفاوضات، تماشياً مع تمسّكهم الثابت بسيادة لبنان واستقلاله، باعتباره دولة تفاوض بالنيابة عن نفسها، ولا ينبغي أن تفاوض عنها أيّ دولة أخرى، وبما تشكّله هذه المفاوضات من محاولة للخلاص من أتون مسلسل الحروب (وتداعياتها) التي فرضها حزب الله على البلد خدمةً لمصالح إيران؛ وفي هذا يتفق أغلبية السنّة مع أغلبية المسيحيين. هنا، من الأساسي أن يشدّد الموقف السني (إن جاز التعبير) على ضرورة أن يكون التفاوض على أساس القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، التي تحفظ كلّها سيادة لبنان، واستقلاله، وسلامة أراضيه، وحقوقه، ولا تسقط بمرور الزمن، ولا بإغفالها في أيّ مذكرة تفاهم بوساطة أميركية؛ وذلك تفادياً لأن يكون لبنان مكشوفاً بشكل كلّي أمام الإرادة الإسرائيلية ورهينة للأمر الواقع المفروض بالقوّة الغاشمة، فتكرّ بعد ذلك مسبحة التنازلات؛ خصوصاً مع وجود وسيط (أميركي) يميل إلى الجانب الإسرائيلي أكثر ما يميل إلى لبنان.
أمّا في ما يتعلّق بالسلام والتطبيع مع إسرائيل، يمكن
للموقف السني أن يكون كالتالي: من جهة أولى، ينبغي عدم شيطنة السلام عبر تحويله
إلى تابو ديني أو أخلاقي، وعدم رفض السلام من حيث المبدأ، باعتبار أنّ السلام يمكن
أن يشكّل، على المدى البعيد، خياراً استراتيجياً لما فيه مصلحة لبنان. ولكن،
بالمقابل، يجب أن يكون السلام بين لبنان وإسرائيل قراراً لبنانياً مستقلاً، على
ضوء مصلحة لبنان حصراً، وعندما تكون الظروف مواتيه للبنان وحقوقه وسيادته ومصالحه،
وشرط عدم الاستعجال، بل تحضير الأرضية الداخلية لذلك. وهذا أمر يتطلّب وقتاً
مُعتبراً، خصوصاً أنّ تاريخ الإجرام الإسرائيلي في لبنان طويل وحافل؛ وشرط عدم
توقيع أيّ سلام مع مطلوبين بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية أمام الجنائية
الدولية، خصوصاً مع إمكانية أن تعتبر محكمة العدل الدولية أنً حكومة إسرائيل قد
ارتكبت جريمة إبادة.
على السلام أن يكون عادلاً، لأنّ "سلام" الاستسلام والفرض والقهر والهيمنة، على طريقة "السلام الروماني"، الذي لا يُعيد الحقوق ولا يحفظها، والذي يجري التسويق له غالباً باسم "الواقعية"، ليس تحرّراً ذهنياً من "العقل العربي"، وليس سلاماً حقيقياً قابلاً للحياة والاستمرار، بل مجرّد إملاء، وهو غالباً مرفوض رفضاً قاطعاً ضمن أكثرية سنّة لبنان، مهما كانت عواقب هذا الرفض من الجانب الإسرائيلي؛ وفي هذا يتفقون مع الشيعة بأكثريتهم.
كما أنّ على الموقف السنّي التشديد على أنّه من الخطأ وضع
العربة أمام الحصان: فالبعض في لبنان يظنّ أنّ السلام مع العدو هو وسيلة للتخلّص
من حزب الله وهيمنته على البلد، ما يسمح بتحقيق ما هو مأمول منذ عقود، أي قيام
الدولة على رجليها، باعتبارها الجهة التي تحتكر القوّة المُسلّحة وتبسط سلطتها على
أراضيها كافّة. وهذا البعض مستعد، من أجل ذلك، أن يقبل بـ"سلام"
استسلام، فقط نكاية بحزب الله، وظناً أنّه سيتم "التخلص" منه بهذه
الطريقة، ولو كانت التنازلات، المطلوبة ثمناً لذلك، تُلحق ضرراً كبيراً بلبنان
وبحقوقه وبسيادته واستقلاله. يقع هذا البعض في أوهام وتخرّصات، فلا إمكانية للسلام
مع إسرائيل إلا بعد حلّ مشكلة حزب الله، ولو بالحدّ الأدنى، فمن يمسك الأرض يمسك
عملياً القرار. بالمحصلة، إنّ فرض الالتحاق باتفاقيات أبراهام على لبنان لن يكون
حلاً سحرياً لمسألة سلاح حزب الله، بل وصفة أكيدة لتفجير لبنان.
لبنان بالنسبة لسنّة لبنان أكبر من حزب الله، وأقدم منه، وأهمّ منه، ولذلك فإنّ المعيار في تحديد الموقف هو مصلحة لبنان العليا، بمعزل إن كان ذلك يمكن أن يتقاطع، مرحلياً وجزئياً، مع مصلحة حزب الله الآنية، أم لا؛ فحزب الله كتنظيم مسلّح إلى زوال، عاجلاً أم آجلاً، ولكن لبنان باقٍ، بإذن الله

Comments
Post a Comment