مقال نشره العربي الجديد/مدونات بتاريخ 17/05/2026
يستحق الخطاب المناهض لإلزامية الانضواء ضمن أحد معسكري
الاستقطاب السياسي في لبنان، أو ما يمكن تسميته بالخطاب المناهض للاصطفاف المانوي (anti-campisme)، التنويه والثناء، خصوصاً
أنه ما زال تياراً محدود الانتشار، ويتلقى السهام من المعسكرين الطاغيين، وأحياناً
بكثير من الإسفاف.
غالباً ما يُظهر أصحاب هذا الرأي السياسي نظرة ثاقبة
ودقيقة وحكيمة للأمور، فضلاً عن قدرة على التفكير المركّب، جديرة بتعاليم الفيلسوف
الفرنسي إدغار موران، وهو ما يتناقض بشدة مع نمط التفكير الثنائي السائد. وغالباً
ما يحفّزهم هدف نبيل، ألا وهو محاولة انتشال البلاد من الاستقطاب السياسي الحاد
المحيط بحزب الله، باعتباره جماعة مسلحة من غير الدول، وبالتالي تجنّب خطر انفجار
لبنان.
مع ذلك، من المؤسف أن نلاحظ أحياناً أنه، نتيجة لبعض
المقارنات التي تساوي - بإجحاف في بعض النقاط الأساسية - بين المعسكرين السياسيين
السائدين في لبنان، تقع بعض المواقف المناهضة للاصطفاف المانوي في إسراف مقابل
للإسراف الذي تدينه عند غيرها، فتَنزلق نحو ما يُصطلح على تسميته بالتشويشيّة (confusionnisme)، وربما من الجائز أيضاً
تسميتها بـ"الخَلطانية" لما تحتويه من خلط تعسفي للأمور وما يترتب عليه
من التباس وتسطيح في الإدراك، ما يؤدي إلى الإضرار بهذا الطرح وإضعافه.
فباسم مناهضة الاصطفاف المانوي، يُجمع أحياناً طرفا الطيف
السياسي اللبناني (حزب الله وحلفاؤه ومؤيدوه من جهة، ومعارضوه من جهة أخرى) بشكل
غير عادل في خانة واحدة في ما يتعلق بالمسؤولية عن حالة الحرب شبه الدائمة التي
يعيشها لبنان منذ سنوات. وباسم ضرورة تجنّب الانقسام الوطني، يُطالب أحياناً بعض
مناهضي الاصطفاف المانوي اللبنانيين عملياً بكفّ انتقاداتهم لحزب الله أو تأجيلها،
مع أن الأخير يدأب في كل مرة على فرض الحرب أمراً واقعاً يجرّ لبنان إليه، إما
لمساندة حليف هنا، وإما ثأراً لمرشد له هناك؛ وهذا ما يُذكّر بشعار "لا صوت
يعلو فوق صوت المعركة!" الذي غالباً ما استخدمته الأنظمة العربية
الديكتاتورية لإسكات أي معارضة.
وبدلاً من تفكيك خطاب حزب الله، يذهب بعض مناهضي الاصطفاف المانوي إلى حدّ تقديم هذا الخطاب باعتباره أحد التفسيرات المشروعة، من بين تفسيرات أخرى، للسيادة اللبنانية، مبرّرين بذلك "نسبية سيادية"، فيقعون مرة جديدة في التشويشيّة. ويزداد هذا المنهج الفكري قصوراً عندما يتجاهل أحياناً، بما لا يخلو من العجب، تبعية حزب الله لإيران التي تمارس على هذه الجماعة المسلحة من غير الدول سيطرة فعلية غالباً.
من خلال هذه المنهجية التقريبية التي تفتقر إلى الدقة،
يُساهم بعض معارضي الاصطفاف المانوي، ربما دون قصد، في تقديم خدمة معتبرة لأحد
معسكري الاصطفاف، أي لحزب الله، لا سيما لخطابه.
تجنّباً لأن يتحول التركيب الفكري إلى التباس، ولضمان عدم
انزلاق مناهضة الاصطفاف المانوي إلى التشويشيّة، من الضروري التمسك بخطاب واضح لا
يساوم على الالتزام بمبادئ القانون العام (الداخلي والدولي) دون انتقائية، لا سيما
النظرية العامة للدولة (مراجعة الفقيهين الفرنسيين ليون دوغي وريمون كاريه دي
مالبرغ). السيادة كلّ لا يتجزأ.
فمن جهة أولى، لا يمكن المساومة على السيادة في بعدها
"الخارجي": من غير المقبول تبرير الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة لبنان
واستقلاله وسلامة أراضيه بحجة أن ذلك سيمكّن البلاد من "التخلص" من حزب
الله، وبالتالي استعادة سيادتها الكاملة في بعدها "الداخلي" (سلطة
الدولة اللبنانية وحدها على كامل أراضيها). كما أنه من الواجب رفض بعض الدوائر
القانونية المؤسفة التي تقوم بتحميل حزب الله مسؤولية الانتهاكات الإسرائيلية.
فبنظر قانون الحرب (أو القانون ضد الحرب)، لا سيما شرعة
الأمم المتحدة، لا شيء يمكن أن يبرر تجاوز الرد الإسرائيلي إطار الدفاع المشروع عن
النفس وشروطه (التناسب والضرورة)، هذا إن سُلّم جدلاً بأن لإسرائيل حقاً بالدفاع
المشروع في لبنان. علاوة على ذلك، إن كان حزب الله لا يلتزم بالموجبات التي يفرضها
القانون الدولي الإنساني في ما يتعلق بحماية المدنيين على الأراضي اللبنانية (حظر
استخدام الدروع البشرية؛ مبدأ الاحتياطات من آثار الهجمات)، فبأي حال لا يمكن أن
يبرر ذلك الانتهاكات الإسرائيلية العديدة والخطيرة للقانون الدولي الإنساني في
لبنان.
من جهة أخرى، ينبغي التأكيد أن ثنائية الدولة/حزب الله
(بوصفه جماعة مسلحة من غير الدول) عصية على التوفيق، فلا يمكن لأي نسبية سيادية أن
تشكل حلاً لها. من غير المقبول المساومة على احتكار الدولة القوة المسلحة وقرار
الحرب والسلم أو التحايل على ذلك، فاحترام سيادة الدولة اللبنانية والعقد
الاجتماعي بين اللبنانيين (الذي يشكّله اتفاق الطائف، والذي أصبح دستوراً)، فضلاً
عن العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبالتالي بقاء لبنان نفسه،
كلها أمور على المحك.
وبالتالي، لا شيء يُعفي حزب الله وإيران (بصفتها الدولة
التي تمارس سيطرة فعلية عليه) من مسؤوليتهما عن فرض النزاعات المسلحة والانخراط
فيها في لبنان وعلى الشعب اللبناني.
بكلام آخر، كي لا يتشوّه الطرح، من الأفضل لمناهضي
الاصطفاف المانوي أن يشددوا بوضوح على أنه لا يمكن لأي جهة أن تدّعي الدفاع عن
السيادة في بعدها "الخارجي" بينما تقوم بانتهاكها في بعدها
"الداخلي"، فالسيادة مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي؛ وكل عدم ثبات
أو انتقائية في تطبيقه يقوّضه وينمّ عن رياء، بمعزل عن هوية الطرف الذي يمارس
ازدواجية المعايير.
ولمنع انزلاق مناهضة الاصطفاف المانوي إلى التشويشيّة، من الضروري أيضاً التأكيد أن حق مقاومة الاحتلال العسكري ينطوي على شرط ضمني وأساسي يحميه من التلاعب والتحريف: يجب أن تكون ممارسته متوافقة دائماً مع المصالح السيادية للدولة التي تُحتل أراضيها (يمكن أن يختلف الأمر في حالة عدم وجود دولة)، أي ليس بعكس إرادتها، وليس بما يضرّ بها ويخدم مصالح دولة ثالثة، لا سيما ليس لاستجلاب الاحتلال من جديد أو توسيع رقعته.
وأخيراً، من الأساسي أن تُدين مناهضة الاصطفاف المانوي كل
انتهاك، بما في ذلك من جانب إيران، لا سيما عبر حزب الله، لمبدأ عدم التدخل في
الشؤون الداخلية للبنان، وبالتالي كل انتهاك لسيادته.
إن مناهضة الاصطفاف المانوي فسحة أمل ونافذة رجاء في المشهد السياسي اللبناني، لذلك سيكون من المؤسف جداً أن تُشوَّه بسبب ما يمكن أن يكتنفها أحياناً من غياب الدقة أو الوضوح أو الصراحة أو الحزم، أو ربما الشجاعة

Comments
Post a Comment