ماهية حزب الله بالنسبة للدولة اللبنانية

 


مقال نشره العربي الجديد/مدونات بتاريخ  22/06/2026

تتجاوز علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية مجرد حالة معارضة ديمقراطية للسلطة من حزب سياسي، فحزب الله في جوهره جماعة مسلحة من غير الدول تخضع للسيطرة الفعلية من دولة أجنبية (إيران). اليوم، يرفض حزب الله قرارات 5 و7 أغسطس/آب 2025، التي كلفت الحكومة اللبنانية بموجبها الجيش بإعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة، كما يرفض قرار 2 مارس/آذار 2026، الذي حظرت بموجبه الحكومة اللبنانية جميع أنشطته الأمنية والعسكرية، معلنةً إياها "خارجة عن القانون"، وقد رفض أيضاً وقف إطلاق النار المشروط الذي جرى الاتفاق عليه بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 3 يونيو/حزيران 2026، مفضلاً ربط نتيجة الحرب في لبنان بالمفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة.

مع تزايد المؤشرات في هذا الصدد، يُلاحظ أنه على الرغم من أنّ حزب الله لم يصل إلى مرحلة حركة التمرد بالمعنى الحرفي للكلمة، إلّا أنه يرقى إليها بحكم الواقع. فهل يُمكن دمج توصيف حزب اللّه بتوصيف حركات التمرد بنظر القانون؟ يُتيح هذا الدمج في التوصيف الخروج من منطقة الالتباس والرمادية القانونية، وتدعم ثلاثة حجج رئيسية نظرية الدمج هذه.

 1. العنصر القانوني: تنص المادة 307 من قانون العقوبات اللبناني على أنه "ﻳﺳﺗﺣﻕ ﺍﻻﻋﺗﻘﺎﻝ ﺍﻟﻣﺅﻗﺕ ﻣﻥ ﺃﻗﺩﻡ ﺩﻭﻥ ﺭﺿﻰ ﺍﻟﺳﻠﻁﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﻟﻳﻑ ﻓﺻﺎﺋﻝ ﻣﺳﻠﺣﺔ ﻣﻥ ﺍﻟﺟﻧﺩ أو على قيد ﺍﻟﻌﺳﺎﻛﺭ ﺃﻭ ﺗﺟﻧﻳﺩﻫﻡ ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﺗﺟﻬﻳﺯﻫﻡ ﺃﻭ ﻣﺩﻫﻡ ﺑﺎﻷﺳﻠﺣﺔ ﻭﺍﻟﺫﺧﺎﺋﺭ". وهنا، تُشير قرارات الحكومة المذكورة آنفاً، ولا سيّما قرار 2 مارس/آذار 2026، بوضوح إلى غياب رضى السلطات اللبنانية في ما يتعلق بوجود حزب الله باعتباره جماعة مسلحة من غير الدول؛ وبالتالي إنّ وجود هذا التنظيم المسلح يُشكّل اليوم انتهاكاً لقانون العقوبات اللبناني.

علاوة على ذلك، تنص وثيقة الوفاق الوطني في قسمها الثاني (بسط سیادة الدولة اللبنانیة على كامل الأراضي اللبنانیة)، على "حل جمیع الملیشیات اللبنانیة وغیر اللبنانیة وتسلیم أسلحتها إلى الدولة اللبنانیة"، كما أن العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولا سيما القرارات 1559 (2004) و1680 (2006) و1701 (2006)، تعتمد حرفياً الأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف. وتجدر الإشارة إلى أن اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، يحيل أيضاً إلى قرارات مجلس الأمن هذه، ويتضمن العديد من أحكامها.

2. العنصر المادي: صحيحٌ أنه لا يوجد نزاع مسلح (غير دولي) بين حزب الله والحكومة اللبنانية، وصحيح انّ هذا المعيار حاسم عادةً في تصنيف "حركات التمرد"، ولكن يكون ذلك بهدف تطبيق القانون الدولي الإنساني (وتحديداً المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977). إلا أنه في الحالة التي تهمنا، يختلف الهدف من اعتماد توصيف "حركة تمرد" (انظر أدناه). هنا، يبدو من الممكن اعتبار أنّ نزاعاً مسلحاً بين حزب الله وإسرائيل، جرى ضد إرادة الحكومة اللبنانية الشرعية ودون العودة لها، والذي يتحمل لبنان وطأة تداعياته، يُشكّل أيضاً، في جانبٍ منه، تمرداً مسلحاً غير مباشر من حزب الله على الدولة اللبنانية، ولا سيّما أنّ حزب الله يستولي بالقوة في كل مرة، من خلال ذلك، على قرار الحرب والسلم العائد، بحسب الدستور، حصرياً للدولة اللبنانية.

علاوة على ذلك، يصعب الادعاء، بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بأن للبنان أي مصلحة حقيقية في النزاعات المسلحة التي يفرضها حزب الله على البلاد. فعلى سبيل المثال، يشير استئناف حزب الله لهجماته على إسرائيل في 2 مارس/آذار، بعد يومين من العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، إلى أنّ نشاطاته العسكرية تخدم في المقام الأول المصالح الإيرانية؛ ولا سيما انّ حزب الله كان قد التزم بوقف إطلاق النار منذ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 (تاريخ الموافقة على اتفاق وقف الأعمال العدائية)، رغم انتهاكات إسرائيل اليومية له، والتي تذرعت فيها بمفهوم الدفاع الوقائي عن النفس المثير للجدل القانوني.

3. العنصر المعنوي: هنا لا داعي للإطالة، فمن البديهي والمفروع منه أن خطاب حزب الله وأفعاله تُشير بوضوح إلى نيته عدم احترام سلطة الدولة اللبنانية (خاصّة في ما يتعلق بقرارات الحكومة بشأن حصر السلاح بيد الدولة).

إنّ تصنيف حزب الله على أنّه حركة تمرد يتيح للمجتمع الدولي، ولا سيّما لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، معالجة هذه القضية من منظور "حق التدخل"، فمن منظار حماية حقوق الانسان، لا يُشكّل حزب اللّه تهديداً للسلم والأمن الدوليين بسبب النزاعات المسلحة المتلاحقة بينه وبين العدو الإسرائيلي فحسب (وهي نزاعات تُفضي إلى انتهاك إسرائيل لسيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه)، بل أيضاً لأنّ حزب الله حركة تمرد ترفض سلطة الحكومة الشرعية وتسعى لفرض سلطتها على الشعب اللبناني بأكمله، وهاتان النقطتان مترابطتان ترابطاً وثيقاً. وفي السياق، إنّ إدانة المحكمة الخاصة بلبنان ثلاثة أعضاء من حزب الله في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري يُعدّ، على سبيل المثال، مؤشراً إضافياً مهما على سعي حزب الله لفرض سلطته على لبنان.

في المحصلة، يمكن أن يشكّل ما تقدّم فرصة لفرنسا من أجل العودة إلى نظرية "حق التدخل الإنساني"، التي وضعها الحقوقي والأكاديمي ماريو بيتاتي بشكل أساسي، بالتعاون مع الوزير بيرنار كوشنير؛ مع الإشارة إلى ضرورة تنقية هذه النظرية من التحريف والتحوير الذي بدأ يصيبها منذ أواخر التسعينيّات. فبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يمكن لمجلس الأمن الدولي أن يطالب أساساً، بناء على مشروع قرار تقدمه فرنسا، بما يلي: وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل؛ انسحاب إسرائيلي كامل جنوب الخط الأزرق؛ تفويض قوة متعددة الجنسيات، بموجب المادة 42 من ميثاق الأمم المتحدة، لمساعدة الدولة اللبنانية في نزع سلاح المليشيات وبسط سيطرتها على كامل أراضيها، باعتبار ذلك إجراء ضرورياً أيضاً لاستعادة الشعب اللبناني حريته، ولضمان احترام حقوق الإنسان (بدءاً من الحق في الحياة، بدل أن يكون لبنان مجرد ساحة موت ودمار وتشريد في حروب الآخرين؛ والمساواة أمام القانون)، في مواجهة المخاطر الجسيمة، الخارجية والداخلية، التي تهدّده حالياً.

وإذا كانت نية السلطة اللبنانية الحالية إنقاذ البلاد، فسيكون عليها أيضاً العمل العاجل مع حلفاء لبنان للتوصل إلى قرار كهذا، من شأنه أن يضع القضية اللبنانية أمام الأمم المتحدة (بدلاً من التفرد الأميركي الحاصل حالياً) ويوفر إطاراً قانونياً يمكن للبنان البناء عليه أو التفاوض على أساسه. بعيداً عن التهور والخطوات غير المحسوبة، إلّا انه قد آن الأوان للسلطة اللبنانية لعدم الاكتفاء بالخطابات (على أهميتها)، ومغادرة حالة العجز وضعف الإرادة والمراوحة والتردد والتخبط بوجه حزب اللّه، والإفراط في التساهل معه. لإنقاذ لبنان، الشجاعة السياسية لم تعد ترفاً، ولا بد من دبلوماسية فعل وفعالية.

Comments