قراءة أولية في اتفاق - الإطار بين لبنان وإسرائيل



إنّ محاولة السلطة اللبنانية الحالية استرداد استقلالية القرار اللبناني عبر فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني أمر يستحق الثناء والتقدير، خصوصاً أن اعتبار إيران مظلة حماية للبنان لا يغدو كونه خطيئة، ولا سيما بعد كل ما تكبده لبنان بسبب تحويله إلى ورقة ضغط بيد إيران، ومجرد ساحة لصراعاتها وحروبها، وخط دفاع أول عنها. ولكن الاعتراض يطاول كيفية ترجمة ذلك، إذ تجسدت هذه الإرادة الاستقلالية بصورة ممسوخة ومشوّهة في اتفاق - إطار هو أقرب إلى الإملاء منه إلى أي شيء آخر.

عملياً، يتضمن الاتفاق - الإطار الموقع في 26 يونيو/حزيران 2026 في واشنطن بين لبنان وإسرائيل "شرعنة"، من قبل لبنان، للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وذلك حتى نزع سلاح حزب الله من قبل الدولة اللبنانية. وما يطرحه الاتفاق - الإطار من إشكالية قانونية كبرى ليس في بسط سيطرة الدولة اللبنانية ونزع سلاح المليشيات (وهو أمر مطلوب وضروري وملح)، بل في قبول لبنان بالاحتلال الإسرائيلي حتى بسط سلطة الدولة، مع إعطاء إسرائيل "حق رقابة" على ممارسة الدولة اللبنانية لسيادتها، وهذه هرطقة قانونية كبرى وتعارض جوهري وبنيوي مع مبدأ السيادة، مع الاعتراف لها - بذلك - بالحق في تبرير احتلالها لجنوب لبنان أيضاً، في حين أن هذا الاحتلال غير شرعي ولا يمكن تبريره من وجهة نظر قانونية.

من هذه الناحية، يختلف مضمون الاتفاق - الإطار مع ما هو وارد، على سبيل المثال، في اتفاق وقف الأعمال العدائية، الذي يقبل بموجبه لبنان عملياً باحتلال إسرائيلي لفترة شهرين فقط (تم تمديدها لبضعة أسابيع)، ويختلف خصوصاً مع القرار 1701 الذي ينص على انسحاب إسرائيلي فوري وكامل، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في مختلف أنحاء الجنوب.

هل يعني ذلك أن السفير السابق سيمون كرم، الذي يرأس حالياً الوفد اللبناني المفاوض، يفتقر إلى البراعة التي يتم تصويره بها، وأنه مفاوض فاشل، خصوصاً أن ما استطاع تحصيله من أجل لبنان أقل من هزيل؟ فحتى "المناطق التجريبية" من أجل الانسحاب الإسرائيلي هي خارج الخط الأصفر، أم أنه لم يكن بالإمكان تحصيل اتفاق أفضل، ولا سيما بسبب ما جناه حزب الله وإيران على لبنان بفعل مغامراتهما، وخصوصاً على الجنوب؟

بانتظار جواب يتكفل به التاريخ، يبقى الأكيد أن الاتفاق - الإطار يمثل تنازلاً كبيراً من قبل لبنان، في حين لم يحصل لبنان بالمقابل على أي شيء معتبر عملياً، ما جعل حتى اتفاق 17 مايو/أيار 1983 بين لبنان وإسرائيل يبدو إنجازاً كبيراً للبنان بالمقارنة مع اتفاق 2026. ولعل أخطر ما في هذا الاتفاق عدم استناده إلى أي نص قانوني يحفظ حقوق لبنان وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، بل خلوّه من أي ذكر لأي نص قانوني متعلق بلبنان، سواء اتفاق الهدنة (1949) أو أي قرار من قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بلبنان، بخلاف اتفاق وقف الأعمال العدائية مثلاً.

بكلام آخر، غالباً لم يسبق للبنان أن كان مكشوفاً لهذه الدرجة، فهو يفاوض دون أي مستند قانوني يظلله، بل يفاوض على أساس مبدأ "الحق للقوة"، والقوة الغاشمة هنا هي إسرائيل. وفي هذا السياق، لا بد من ملاحظة أن تداعيات الاستئثار الأميركي بالوساطة بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما في أعقاب استبعاد فرنسا والأمم المتحدة والدول العربية عنها، أصبحت تلقي بظلالها الثقيلة على لبنان.

وقد أثار هذا الاتفاق اعتراضات لا تخلو من رياء وازدواجية معايير من قبل حزب الله، ولا سيما بما يتعلق بالمادة 13 منه المتعلقة بالتزام لبنان بعدم مقاضاة إسرائيل. ولكن لو أراد لبنان مقاضاة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية مثلاً، فهل سيقبل حزب الله بأن ينضم لبنان إلى نظام روما الأساسي؟ وهل سيقبل بإمكانية ملاحقة قادته ومقاتليه بسبب احتمال اتهامهم بارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك في سورية؟ أم أنه سيعلنهم عندئذ "قديسين"، كما فعل بأعضائه المدانين من قبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري؟

وبجميع الأحوال، فإن نصاً قانونياً مثل المادة 13 المذكورة يحتاج غالباً إلى موافقة مجلس النواب اللبناني قبل أن يصبح ملزماً للبنان، في حين أن الاتفاق - الإطار هو غالباً اتفاق غير ملزم، بخلاف المعاهدات الدولية الملزمة.

أما ردات الفعل المقابلة لبنانياً، فليست بأفضل حال، إذ يبدو أن مؤيدي الاتفاق - الإطار لم تعد لديهم حجة للدفاع عنه سوى القول إن من لا يؤيده في لبنان يكون موقفه مثل بن غفير في إسرائيل. وينم هذا القول عن إفلاس سياسي تام وشامل، فإذا أصبح تأييد إملاء يتضمن إذعاناً وتفريطاً بالسيادة (كاتفاق الإطار هذا) ضرورياً للحصول على شهادة حسن سلوك بالانفتاح والاعتدال، فيا أهلا بوصمة التطرف، إنها نيشان على الصدور.

أما القول إن من لا يؤيد هذا الاتفاق يكون موقفه متناغماً مع حزب الله، فهو إفلاس سياسي فكري آخر، وقمة في المانوية، على قاعدة القول المأثور "نكاية بالطهارة..."، فكأن حزب الله هو نقطة ارتكاز الكون، والمعيار في تحديد الموقف ليس مصلحة لبنان العليا، بل عكس ما يقوله حزب الله، ولو كان في ذلك ضرر فادح للبنان.

بالمحصلة، صحيح أن اتفاق واشنطن أخرج لبنان من المحور الإيراني، ولكن ليس بهدف تحييده عن سياسة المحاور (وهو ما كان مأمولاً أن تقوم به السلطة اللبنانية)، بل لزجه في المحور الأميركي - الإسرائيلي المقابل. وستثبت الأيام غالباً أنه من خلال الاتفاق - الإطار، قد اشترت السلطة اللبنانية صك براءة ذمة لضعف إرادتها في تنفيذ حصر السلاح بيد الدولة؛ صك براءة تبرزه أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة. فكل فلسفة التفاوض بالنسبة للسلطة اللبنانية الحالية تقوم غالباً على تقديم تنازلات من أجل شراء صكوك براءة لعدم قيامها بالأساس: أي واجبها في حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها. فبدل أن تكون سياسة الدولة اللبنانية: الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح المليشيات (والبحث عن حلول أممية لتحقيق ذلك)، تنتهج الدولة عملياً في ظل السلطة الحالية المعادلة الكارثية التالية: بقاء السلاح، لقاء شرعنة الاحتلال

Comments