جدلية الجوهر والعارض بين الطوائف اللبنانية



مقال نشره العربي الجديد ـ مدونات في 23/08/2026

لأي طائفة أُعطي مجد لبنان؟ حول أي "أنا" هوياتي جمعي تحديداً تتمحور الكيانية اللبنانية؟ ولأي طائفة "الحق" في أن تفرض "أي لبنان تريد" على باقي اللبنانيين؟

السؤال ليس جديداً، بل ورثه لبنان الكبير (1920) عن لبنان الصغير، حيث كان السؤال يتمحور بين الموارنة والدروز. سؤالٌ تارةً يخفت طرحه، وتارةً يتوقد. أما اليوم، فهو يتمفصل تحديداً حول ثنائية الشيعة والموارنة، بجزئيهما الأكبرَين.

ينطلق هذا السؤال من نظرة تُجوهر لبنان والطوائف، والإجابة عنه من طارحيه تعني، بالنسبة إليهم، تحديد الطائفة التي تشكّل جوهر لبنان، والطوائف التي هي من قبيل "العارض" فيه.

في كتابه "مدخل إلى نقض الفكر الطائفي. القضية الفلسطينية في أيديولوجية البرجوازية اللبنانية" (1980)، يفكك المفكر الشيوعي اللبناني مهدي عامل (واسمه الحقيقي حسن عبد الله حمدان) السردية "المسيحية" حول جوهر لبنان، مستنداً، بشكل أساسي، إلى سلسلة الكراريس والمذكرات الصادرة عن "لجنة البحوث اللبنانية" في جامعة الكسليك، في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1977.

يشير عامل إلى أن "لبنان الجوهر"، بالنسبة إلى ذاك اليمين المسيحي، "هو لبنان المسيحية، والعارض فيه هو الإسلام"، فلبنان "هو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط"، و"لبنان الجوهر هذا هو، بالتحديد، لبنان الماروني، الذي هو "جوهر الجوهر"، باعتبار أن "هيمنة العنصر الماروني أساسية لوجود المساواة بين الطوائف"، فهي "ضرورية أيضاً للوقوف في وجه" ما يسميه بيار الجميل "الطغيان الطبيعي الذي تشكله الأكثرية الإسلامية في المنطقة العربية" (النهار العربي والدولي، العدد الأول، 10 أيار 1977).

فبحسب أحد كراريس الكسليك، "إذا كانت الطائفة المارونية قد احتفظت لنفسها بالمسؤوليات الأولى في الدولة فلأنها تعذبت روحاً وجسداً، وبذلت الدم الكثير عبر القرون من أجل الحفاظ على لبنان (...)، بحيث لا يسعها أن تترك مصائر كل هذه [المصائر] بيد أناس لا يمكنهم أن يكنّوا للبنان الحب الذي يكنّه له الموارنة، ولا الحماس للذود عنه...".

وبنظر هذه السردية، لم يكن الصراع في بدايات الحرب الأهلية في لبنان "صراعاً اجتماعياً أو طبقياً أو وطنياً أو سياسياً، إنما هو صراع ديني ـ طائفي بين المسلمين والمسيحيين، لأنه الحرب التي يعلنها الإسلام، بحكم جوهره المطلق، على المسيحية والمسيحيين في لبنان".

هذه السردية قديمة، تعود إلى ما قبل نشوء دولة لبنان الكبير. نجدها، مثلاً، في كتاب الباحث اللبناني فرديناند تيان "فرنسا ولبنان: الدفاع عن المصالح الفرنسية في سورية" (France et Liban, défense des intérêts français en Syrie)، المنشور في باريس سنة 1917.

وكان بعض الاستشراق، الذي رافق الديناميكية الاستعمارية، والمتمثل بشخصيات مثل إرنست رينان وهنري لامنس، قد أسس لهذه السردية حول استثنائية لبنانية مفترضة بالنسبة إلى المحيط العربي، باعتبار لبنان ملجأً للأقليات الدينية المضطهدة في الشرق.

أما المؤرخ كمال الصليبي، فكان من أبرز من فكّك هذه السردية (مراجعة كتابه "بيت بمنازل كثيرة")، فضلاً عن المؤرخ والصحافي سمير قصير، الذي قدّم، في مقال له بالفرنسية بعنوان "إيديولوجيات"، نُشر سنة 1997، السبيل النظري لتخطي الانقسام المانوي الذي ترسيه سرديات التاريخ الهوياتي هذه، ولا سيما في ما يتعلق بثنائية الانتماء العربي أو الفينيقي للبنان.

هذه السردية، التي غالباً ما لم تكن موضع نقد ذاتي منذ ذلك الحين من الأوساط التي قالت بها، حتى لو خفتت مؤقتاً مع 14 آذار التي أخرجت السيادية اللبنانية من القوقعة الطائفية إلى رحاب الوطنية الجامعة بين المسلمين والمسيحيين، يُعاد تدويرها اليوم، بشكل رئيسي، من قبل المنادين بالفيدرالية ومن يسايرونهم.

وهي تخلص إلى أنه "عندما يستشري وباء الريبة المتبادلة بين أعضاء جماعة معينة، يجب حل هذه الجماعة. وعندما يستحيل التعايش بين زوجَين، ولو كانا كاثوليكيَّين، فالحل الوحيد هو انفصال الأجساد" (إحدى مذكرات الكسليك). فالحل، إذن، هو تحقيق "الصفاء العرقي" عبر التقسيم.

ومنذ نهايات الحرب العالمية الأولى، غالباً ما اعتبر أصحاب هذا الخطاب أن التحالف بين لبنان وإسرائيل أمر مطلوب، باعتباره مدماكاً لتبلور أوسع لـ"حلف الأقليات" (مراجعة كتاب "المتاهة اللبنانية، سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان 1918 ـ 1958"، للجنرال الإسرائيلي رؤوفين أرليخ).

في المقابل، السردية الطاغية اليوم ضمن الطائفة الشيعية، وهي سردية ورثتها، بجزء معتبر، عن الطائفة السنية التي تحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية في بدايات الحرب الأهلية، والتي يجري من خلالها الرد على المنطق القديم ـ المتجدد ضمن الأوساط المسيحية، تقول عملياً إن جوهر لبنان يُنال بمحاربة العارض على المنطقة، أي بـ"مقاومة" إسرائيل، ولا سيما بالتحالف مع الجمهورية الإسلامية ضمن محور الممانعة، بوجه مشاريع السلام والتطبيع مع العارض الإسرائيلي.

وفق هذه السردية، إن جوهر لبنان هو "سلاح المقاومة"، والتضحيات المقدمة من حزب الله بوجه إسرائيل تمنح الطائفة الشيعية "الحق" في قيادة الدولة والمجتمع في لبنان؛ وعلى جميع اللبنانيين أن يقبلوا بخيارات حزب الله، ومن خلاله إيران، التي يفرضها عليهم من خارج الأطر الدستورية، عبر الاستئثار بقرار الحرب المفترض أن يعود حصراً إلى الدولة اللبنانية، تحت طائلة رفض قرارات الشرعية اللبنانية، ولا سيّما حصر السلاح، والتخوين، بل والتأديب بالسلاح، كما حصل في 7 مايو/أيار 2008.

وإذا كانت السردية "المارونية" ما زالت غالباً تؤسطر لبنان ما قبل الحرب الأهلية، لبنان المارونية السياسية و"العصر الذهبي" و"الزمن الجميل"، وتنكر تفشي التهميش والحرمان، ولا سيّما في الأطراف، وأحزمة الفقر حينها، بالرغم من المعطيات الموثقة، مثلاً، في تقرير بعثة إيرفد (1959 ـ 1961)، وفي كتب المؤرخ فواز طرابلس ومهدي عامل نفسه؛ فبالمقابل، تقوم السردية "الشيعية" بالإمعان في تشويه صورة لبنان ما قبل الحرب الأهلية بشكل مبالغ فيه، بل وتقوم بتأبيد سردية المحرومين، في حين أن الأوضاع الاقتصادية لكثير من الشيعة تحسنت منذ انتفاضة 6 فبراير/شباط 1984، التي شهدت بداية الصعود السياسي "الصاروخي" لهذه الطائفة.

أما الحل، فليس بتغليب سردية على أخرى، أي ليس ما يقوم به، مثلاً، من يمكن تسميتهم بـ"حديثي الليبرالية"، وهي ليبرالية تدجينية غالباً، أبعد ما تكون عن ليبرالية سمير قصير، الذي يرى في ليبرالية عصر النهضة العربية حثاً على تحرر الفرد العربي من الاستعمار أيضاً.

هؤلاء كانوا، في أكثر الأحيان، يدورون في فلك الحركة الوطنية اللبنانية، وتنقلوا بين الراديكاليات اليسارية، ووصل بهم الأمر إلى الإعجاب بالخمينية في بدايات الجمهورية الإسلامية في إيران، ثم، فجأة، ظهر عليهم "نور" الليبرالية، وأخذوا، منذ ذلك الحين، يتلون فعل الندامة، ويتصرفون كالتائب المهتدي إلى الصراط المستقيم بعد ضلال طويل، محاولين "التكفير" عن ذنوبهم السابقة.

وسبيلهم إلى ذلك جلد الذات، وتبني السردية الشوفينية التي كانوا يرفضونها حول جوهر لبنان المسيحي، علّهم ينالون بذلك استحسان خصومهم السابقين، ويرتقون إلى مصافّ "جوهر لبنان الستة آلاف سنة حضارة التي تشع على الكون".

لن ندخل في لعبة تفضيل أي من هاتَين السرديتَين على الأخرى، فالحل يبدأ بمساءلة السؤال نفسه حول أي طائفة تشكل جوهر لبنان، ورفض المنطق العنصري الطائفي التقوقعي السوبريماسي الذي يضمره من الأساس، ورفض سجن الثنائيات الذي ينتج عنه برمته؛ فكل واحدة من هاتَين السرديتَين اختزالية لطائفتها، وإقصائية للطوائف الأخرى.

الحل يبدأ بتواضع الجميع، وبإعلاء المصلحة الوطنية، وباحترام الدستور، وقيام دولة قوية وعادلة، دولة قانون ومؤسسات ومساواة أمام القانون، دولة وحدها تحمي الجميع، كما يرتئيه مجلس الوزراء، حسب الآليات الدستورية.

الحل يبدأ بأن تتخلى طوائف لبنان، مثل باقي العرب، "عن ماضٍ لا يضاهى ليتوصلوا في الختام إلى النظر مباشرة في تاريخهم الواقعي، على أمل أن يعودوا إلى الأمانة عليه" (سمير قصير، "تأملات في شقاء العرب"، 2005) 



Comments